من دارفور إلى المنفى: حين تعيد الهجرة كتابة الهوية

زكريا ادم علي عبدالرسول
ليست الهجرة القسرية مجرد عبور حدود جغرافية، بل عبور قاسٍ من عالم إلى آخر. وما حدث في دارفور منذ 2003، في ظل سياسات حكومة السودان والصراعات التي أعقبتها، لم يكن نزوحاً عادياً، بل اقتلاعاً اجتماعياً كاملاً. ملايين خرجوا من قراهم لا يحملون سوى الذاكرة، وذاكرة الحرب أثقل من أن تُحمل.
في المنفى، لا يفقد الإنسان بيته فقط؛ يفقد شبكته الاجتماعية، وسياجه الثقافي، وسلطته الرمزية التي كانت تحمي هويته. في القرية الدارفورية، كان الدين جزءاً من النسيج اليومي: (المسجد، الخلوة، الطرق الصوفية، الأعراف). لكن في مخيم لجوء في أوغندا، أو مدينة أوروبية في ألمانيا، أو حي متعدد الثقافات في كندا، يصبح الفرد وحيداً أمام أسئلة جديدة: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟
الهوية في المنفى ليست ثابتة. تبدأ غالباً بمرحلة تمسّك دفاعي بالانتماء الأصلي، ثم تصطدم بواقع ثقافي مختلف، ثم تدخل في عملية إعادة تركيب. بعض التحولات الدينية التي تحدث بين أفراد ، وهي حالات محدودة لا تمثل اتجاهاً عاماً ولا يمكن فهمها بوصفها “انقلاباً على الماضي”، بل بوصفها محاولة لإعادة التموضع داخل مجتمع جديد.
في كثير من دول اللجوء، تلعب الكنائس دوراً اجتماعياً يتجاوز العبادة: دعم نفسي، أنشطة للشباب، تعليم، مساعدات. هنا يظهر ما يسميه علماء الاجتماع “رأس المال الاجتماعي”: الانتماء يفتح شبكة علاقات، وشبكة العلاقات تمنح شعوراً بالأمان. في لحظة هشاشة، يصبح المجتمع البديل ملاذاً، لا لأن الفرد باع عقيدته، بل لأنه يبحث عن حضن يعوض فقدان الحاضنة الأصلية.
هناك أيضاً بُعد آخر لا يمكن تجاهله: وهو اهتزاز السلطة الرمزية للدين حين يرتبط في الوعي العام بالصراع السياسي أو بخطابات لم تجب على أسئلة الحرب والمنفى. الشاب الذي عاش النزوح، ورأى الدم، وفقد التعليم والاستقرار، لا يبحث فقط عن عقيدة، بل عن معنى. فإذا لم يجد خطاباً يداوي جراحه ويصالحه مع العالم، فإنه سينصت إلى خطاب آخر يفعل ذلك.
ومع ذلك، من الظلم والاختزال تصوير المسألة كظاهرة واسعة.
الغالبية العظمى من أبناء دارفور في المنافي ما زالوا متمسكين بإسلامهم، رغم العواصف. الحالات الفردية موجودة، لكنها لا تعني انهيار هوية مجتمع بأكمله.
القضية في جوهرها ليست دينية فحسب؛ إنها أزمة اقتلاع. فالحرب لا تقتل الناس فقط، بل تعيد تشكيل وعيهم. والمنفى لا يغيّر العنوان البريدي فقط، بل يفرض على الإنسان إعادة تعريف نفسه.
إذا أردنا قراءة متزنة لهذه التحولات، فعلينا أن نبتعد عن خطاب التخوين، ونتجه نحو سؤال أعمق:
•كيف نحمي الإنسان حين يُقتلع؟
•كيف نبني مؤسسات جاليات قوية؟
• كيف نقدم دعماً نفسياً وثقافياً يعيد التوازن؟ •كيف ننهي جذور المأساة في الوطن حتى لا تتحول الهجرة إلى قدر دائم؟
من دارفور إلى المنفى، تُعاد كتابة الهوية على صفحات الألم. والسؤال ليس لماذا تغيّر بعض الأفراد، بل كيف نمنع أن يصبح الاقتلاع قاعدة، والضياع مصيراً.
،،، سروري وخالص تحياتي ،،،



