مقالات وآراء

حين يفضحون أنفسهم بأقلامهم قراءة في مقال آدم الحاج أديب، وسقوط سردية صحافة الإنقاذ

أحيّي بصدق المقال العميق الذي كتبه آدم الحاج أديب ردًّا على ما خطّه الصحفي المتصيّحف الصادق الرزيقي.
مقال لا يكتفي بنقض رواية، بل يهدم المنظومة التي أنتجت الرواية، ويعرّي محاولة يائسة لإعادة تدوير الوعي العام، وتجميل قبح مرحلة كاملة اسمها مرحلة الإنقاذ.
هذا المقال ليس ردًّا صحفيًا عابرًا، بل محاكمة أخلاقية وفكرية لمنهج كامل: منهج تحويل الكارثة الوطنية إلى “خلافات شخصية”، والجرائم البنيوية إلى “سوء تفاهمات ميدانية”، وتاريخ الدم إلى حكايات صراع نفوذ بين شيوخ وسلاح.
صحافة تفضح نفسها بنفسها
المدهش – والمضحك المبكي في آن – أن صحفيي الإنقاذ هذه الأيام صاروا يكتبون ما يفضحهم أكثر مما يفضح خصومهم.
من فرط الارتباك، ومن شدّة الهزيمة الذهنية، تجدهم يقرّون – دون أن يشعروا – بأن الدولة في عهدهم لم تكن دولة مؤسسات، بل شبكة أمن، ومجلس وصاية، وترتيبات ولاء، وسلاح خارج القانون.
خذ مثلًا حديث الهندي عز الدين وهو ينتقد صحفيي الفترة الانتقالية، ومنهم فيصل محمد صالح، قائلاً – بلا حياء – إن أجهزة أمن الإنقاذ ومجلس صحافتها هم الذين أجازوا فيصل وزملاءه ليكونوا رؤساء تحرير!
ما علم المسكين أنه وهو “يهاجم” خصومه، كان يقدّم اعترافًا رسميًا بأن الصحافة في عهدهم كانت تُمنح بالتراخيص الأمنية، لا بالكفاءة المهنية.
هكذا، دون أن يقصد لجهله وضحالة تفكيره، أدان نظامه الهالك، وأدان نفسه، وأدان الصحافة التي يدّعي تمثيلها.
مهزلة التصفيق للعنف… وتبديل الأبطال حسب الطلب
أكثر ما يلخّص حالة الإفلاس الأخلاقي والفكري هو ما كتبه الأخ هشام عباس عن “العقل المهزوم الذي لا يكلّ التصفيق”.
منطق أعوج لا يرى في الجريمة جريمة، بل يراها بطولة إذا وقعت في خدمة النظام، وخيانة إذا خرجت من طوعه.
حسب هذا المنطق المريض:
كان موسى هلال بطلًا عندما أُبيد أهل دارفور وقُمعت حركاتها باسم “المرتزقة والخونة”.
وصار مجرمًا عندما تمرّد على نظام الإنقاذ حتى قبضه حميدتي واذله معتقلا ينتظر المحاكمة العسكرية.
وظل محمد حمدان دقلو (حميدتي) بطلًا عندما حارب موسى هلال واعتقله.
ثم صار مجرمًا عندما تمرّد على امتداد نفس النظام الذي صنعه.
تحوّلت حركات دارفور المسلحة من “خونة” إلى “أبطال” حين قاتلت حميدتي مع عبد الفتاح البرهان وحكومة الكيزان.
عاد موسى هلال “بطلاً” بمجرد أن رجع إلى حضن الكيزان ليقاتل حميدتي… الذي لا يزال “خائنًا” حتى إشعار آخر.
والسؤال الساخر الذي يفرض نفسه: هل سيصبح حميدتي بطلًا من جديد إذا عاد لحضن الكيزان كما يتمنّى المطبلون؟
عند هذه النقطة، تتعرّى الحقيقة كاملة: لا معيار أخلاقي، لا موقف مبدئي، لا عدالة ولا ضمير.
البوصلة الوحيدة هي: مع من تقف اليوم؟
ومن يقف معك اليوم، هو بطل، ومن يقف ضدك اليوم، هو مرتزق وخائن، حتى لو كان نفس الشخص الذي صفّقت له بالأمس.
وما مثال كيكل (الوطني مع الجيش، الخائن مع الدعم السريع، العائد الى الوطنية بعد هروبه من الدعم السريع، والمجرم في نظر قائد لواء البراء، المصباح)، ببعيد.
آدم الحاج أديب… حين يتحوّل المقال إلى محكمة
قوة مقال آدم الحاج أديب ليست فقط في تفكيكه سردية الصادق الرزيقي، بل في أنه أعاد الأمور إلى مكانها الصحيح: الكارثة ليست خلاف موسى هلال مع حميدتي، ولا صراع الذهب والسلاح كحكاية أشخاص، بل هي نتاج منظومة حكم كاملة صنعت الميليشيا، وشرعنت السلاح خارج الدولة، وأدارت البلاد بعقلية الأمن بدل السياسة، والولاء بدل المؤسسة، والاستنفار بدل القانون.
الرزيقي – ومن على شاكلته – يريدون اختزال الخراب في قصص أشخاص، لأن ذلك يبرّئ المشروع الذي أنجب هؤلاء الأشخاص.
لكن مقال آدم يقول بوضوح: أنتم لستم مراقبين.
أنتم المهندسون الأوائل لهذا المسرح الدموي.
وما تكتبونه اليوم، مهما حاولتم تلميعه، هو في الحقيقة وثائق إدانة ضدكم.
الخلاصة: زمن إعادة تدوير الأكاذيب انتهى
لن تنجح محاولات “غسل التاريخ” عبر مقالات انتقائية.
ولن يُعاد تشكيل الوعي العام بحكايات تُخفي المنهج وتُبرز الأفراد.
الخراب الذي نعيشه اليوم لم يهبط من السماء، بل خرج من رحم مشروع حكم اختار الأمن على السياسة، والتنظيم على الوطن، والسلاح على الدولة.
مقال آدم الحاج أديب ليس مجرد رد على الصادق الرزيقي؛ هو إعلان نهاية زمن الرواية الواحدة، وبداية زمن تسمية الأشياء بأسمائها.
وهي خطوة صغيرة في طريق طويل، لكنها خطوة شجاعة في مواجهة صحافة لم تعد تملك إلا أن تفضح نفسها بأقلامها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..