الجيش الانقلابي: من حارس المستعمر إلى أداة تخريب الدولة

لم يكن ما سُمي بالجيش السوداني في أي مرحلة من تاريخه جيش شعب ولا أداة دفاع عن دولة وطنية، بل نشأ منذ البداية كجهاز قمع استعماري خالص، أُسِّس لحماية مصالح المستعمر وضمان ديمومة سيطرته، سواء تمثّل ذلك في الحكم البريطاني المباشر أو في صيغته كوكيل مصري عبر الشراكة الإنجليزية–المصرية بعد أن خرج المستعمر الإنجليزي.
ولم يُشكّل الاستقلال سوى انتقال إداري للسلطة داخل البنية نفسها، حيث تولّت نخب عسكرية محلية مهمة إدارة الوظيفة الاستعمارية القديمة، مع الحفاظ على جوهرها القائم على القمع الداخلي والارتهان الخارجي، ولكن هذه المرة باسم “الوطن” و“السيادة”.
إن الحديث عن وطنية الجيش السوداني يتجاهل عمداً تاريخه الوظيفي ودوره البنيوي كأداة لضبط المجتمع وكبح تحرره، وهو دور لم يتوقف بسقوط الاستعمار، بل أعيد إنتاجه وتكريسه بأيدي سودانية.
إذاً ليست المسألة مفارقة عابرة، بل فضيحة تاريخية كاملة الأركان، أن يصرّ هذا الجيش على الاحتفال بتأسيسه قبل قيام الدولة السودانية، وأن يفاخر بما يسميه “جيشاً عمره مائة عام”، وكأن في ذلك مجداً يُحتفى به.
فالحقيقة التي يجري الهروب منها أن هذا الجيش لم يولد من رحم الدولة الوطنية، ولم يُنشأ لحماية شعبها، بل صُمِّم أصلا كأداة استعمارية لضبط البلاد وقمع أهلها وتأمين مصالح المستعمر.
الأخطر من ذلك أن هذه المؤسسة العميلة لم تكتفي بحمل هذا الإرث، بل تمسكت به، وروّجته، ثم نصّبت نفسها بعد الاستقلال وصيا على الدولة، ومصدرا للشرعية، وحكماً فوق المجتمع والسياسة.
إن التباهي بهذا التاريخ ليس جهلاً بريئاً، بل إصرار واعي على إعادة إنتاج عقلية استعمارية داخل دولة يُفترض أنها وطنية، وهو ما يفسر كيف انتهى الأمر بهذا الجيش من مؤسسة تدّعي حماية الوطن إلى أحد أهم أسباب انهياره، وتمزيقه، وإغراقه في الحروب والانقلابات والدمار المستمر حتى يومنا هذا.
والمفارقة التي تدعو للدهشة أن هذا الجيش، حين يستولي على السلطة، يبرر انقلابه بادعاء حماية السيادة واستعادة الأمن ومحاربة الفساد الذي استشرى وعم البوادي والحضر، وكأنّه لم يكن أصلاً الجهة المنوط بها حفظ الأمن القومي.
إن هذا التبرير لا يخفي حقيقة واحدة: أن الجيش يستخدم فشله الذاتي ذريعة للهيمنة على الحكم، ومن بعد ذلك يصبح الفساد منهجاً وعنوان كتاب حكمه.
وتكشف محاولة انقلاب الرائد عبد الرحمن إسماعيل كبيدة عام 1957، بوضوح الطبيعة التابعة للمؤسسة العسكرية، إذ مثّلت دليلاً مبكراً على عمق النفوذ المصري داخل الجيش السوداني.
فذلك الانقلاب، رغم فشله، فضح حقيقة أن قرار الانقلاب لا يُصنع دائماً في الخرطوم، بل في غرف إقليمية ترى في السودان ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة.
هنا تحوّل الجيش من مؤسسة وطنية مفترضة إلى أداة لتنفيذ أجندة القاهرة، ولو على حساب استقرار السودان.
انقلاب 17 نوفمبر 1958 رسّخ عرفاً خطيراً في السياسة، حيث تم تسليم السلطة للعسكر دون أي تفويض شعبي، وهو النهج الذي تكرر لاحقاً في 30 يونيو 1989، حين شارك الجيش بوعي كامل مع تنظيم أيديولوجي عقائدي إرهابي، مستفيداً من السلاح وأجهزة الدولة لقمع المجتمع والاستيلاء على الحكم.
وتجسد فهم طبيعة العلاقة بين الجيش والأحزاب في تجربة الأميرلاي عبد الله خليل بك، الذي خدم في الجيش المصري لما يقارب العقدين، وأسهم في تأسيس حزب الأمة، حيث أكد أن الجيش هو الذي يخترق الأحزاب السياسية، وليس العكس كما يشاع.
اليوم، يواصل عبد الفتاح البرهان دوره القمعي بنفس الحزم المريع، من خلال انقلابه المشؤوم الذي أعاد عسكرة السياسة وأجهض كل مسار مدني ديمقراطي، وجرّ البلاد إلى حرب مدمرة تخدم عمليا مصالح النظام المصري، عبر إضعاف السودان وتحويله إلى دولة منهكة قابلة للابتزاز في ملفات السيادة الحيوية، وعلى رأسها مياه النيل وثروات السودان الاقتصادية.
وفي سعيه المحموم للبقاء في السلطة، لم يتورع البرهان عن استخدام أسلحة كيميائية محرمة دوليا لإبادة معارضيه، ما يضعه خارج كل خطوط الشرعية والإنسانية.
وما يزيد الأمر فضيحة، أن هذه الأسلحة مرت عبر موانئ دول إقليمية كانت على علم كامل بها وبنوايا الجيش في استخدامها، مما يكشف بجلاء عمالة المؤسسة العسكرية وتحولها إلى أداة تنفيذية لأجندات خارجية، حامية لبقاء قادتها في السلطة على حساب دماء الشعب السوداني ومستقبله.
إن الحديث عن دولة مدنية وحكومة مدنية لا يعدو كونه خطابا فارغا ما لم يُقترن بتفكيك هذه المؤسسة المعطوبة التي تحولت إلى فاعل سياسي فوقي، إذ لا ديمقراطية يمكن أن تنشأ في ظل جيش عميل دأب على الانقلاب على الدستور، ولا دولة قانون دون محاسبة صريحة لهذا الجيش على انقلاباته المتكررة وجرائمه السياسية.
أما تأجيل العدالة تحت ذريعة الاستقرار، فليس سوى خدعة مكشوفة لإعادة إنتاج الخراب والعنف وإدامة الاستبداد.
والمفارقة الفادحة أن هذه المؤسسة العسكرية، التي تدّعي حماية الوطن، تهاجم رموز السلطة المدنية وتجرّدهم من حقهم الطبيعي في العمل السياسي، زاعمة أن السياسة ليست من شأنهم، بينما تنصّب نفسها وصيا على الشعب بأحزابه وقواه المدنية، في إنكار سافر لحقيقة أن هذه القوى تمثل الشرط الجوهري لأي ديمقراطية حقيقية عظم ظهرها هو اسناد السلطة إلى الحكام برغبة وإرادة شعبية حرة.




أستاذ الصادق ……هذا أصدق مقال أقرأه في الراكوبة الى تاريخه . فقد دأب معظم كتاب الراكوبة على اللف والدوران حول مشاكل البلاد وارجاعها الى فساد الكيزان وبطشهم ، وفساد الأحزاب السودانية….الخ متناسين أس البلاء المتمثل في الجيش السوداني الذي ولد مجرما باطشا و ما زال مجرما عنجهيا باطشا ، ومتناسين كذلك أن سيطرة الكيزان على الجيش والحياة العامة وفسادهم الذي عم كل مناحي الحياة ، وفساد الأحزاب والخلل العام في كل مناحي الحياة والفضاء العام يرجع الى وجود هذا الجيش المجرم الباطش العنجهي الذي وفر الغطاء والحماية للكيزان وانحطاط الحياة الحزبية وكل أنواع الفساد القائم . ولن تقوم لأخوان الشيطان قائمة ولن تزول كل هذه المظاهر السالبة الا بزوال هذا الجيش المجرم ، ولن يستقيم الظل والعود أعوج ، ولن تقوم للسودان قائمة بوجود هذا الجيش العنجهي المجرم الفاسد . وبغض النظر عن كون هذا الحلم بزوال “الديش” ضربا من “احلام زلوط” او أملا ممكن التحقيق فهو حقيقة ماثلة لايمكن التخلص منها أو تجاهلها . أصحو يا هؤلاء ، ولا فض فوك يا أستاذ الصادق .
١/- أقتباس:
“الفادحة أن هذه المؤسسة العسكرية، التي تدّعي حماية الوطن، تهاجم رموز السلطة المدنية وتجرّدهم من حقهم الطبيعي في العمل السياسي، زاعمة أن السياسة ليست من شأنهم، بينما تنصّب نفسها وصيا على الشعب بأحزابه وقواه المدنية”.
٢/- تعليق:
(أ)/- المؤسسة العسكرية التي تحكم السودان اليوم، ليست هي الأولي في تاريخ البلاد تجرد السلطة المدنية من حقها الطبيعي في العمل السياسي، ففي نوفمبر عام ١٩٥٨ عندما تسلم الفريق إبراهيم عبود حل الأحزاب والنقابات والاتحادات المختلفة، ومنع الصحف من الصدور، وسجن النشطاء السياسيين، وظل الوضع علي هذا الحال حتي أكتوبر ١٩٦٤.
(ب)/- المشير جعفر النميري كان أسوأ من الفريق عبود ألف مرة، ففي ظل حكمه لم يستطع احد من رؤساء الأحزاب او من اساتذة الجامعة بل ولا حتي المواطن العادي ان يبدي رأيه في نظام الحكم وينتقد السلطة الحاكمة، بلغ عدد السجناء السياسيين خلال الفترة من مايو ١٩٦٩ وحتي ٥/ أبريل ١٩٨٥ اكثر من ١٧٥ ألف سجين بينهم نسبة عالية من الجنوبيين الذي أزروا الفريق/ جون قرنق بعد تطبيق قوانين سبتمبر ١٩٨٣- وهذا الرقم نشر في صحف ما بعد انتفاضة أبريل ١٩٨٥.
(ج)/- الكلام عن علاقة سلطة عمر البشير برموز السلطة المدنية خلال سنوات حكم الإنقاذ لا تحتاج الي شرح وسرد، ويكفي ما جاء في تقرير الأمم المتحدة وأفادت ان نحو (٣٥٠) الف مواطن راحوا ضحية هذا النظام خلال الفترة من عام ١٩٨٩ وحتي ٢٠٠٥ بعد توقيع اتفاقية السلام، ولم تصدر أي سياسية داخلية او خارجية عدد ارقام ضحايا ما بعد عام ٢٠٠٥ وحتي أبريل ٢٠١٩.
(د)/- الشيء الملفت للنظر بصورة ما عادت خافية عن العيون عن حكم البرهان، انه لم يشغل باله لا من قريب او بعيد بمحاربة النشطاء السياسيين ورؤساء الأحزاب، والمثقفين والصحفيين وأساتذة الجامعات، وفوض الاستخبارات العسكرية والمليشيات الإسلامية القيام بمهام بوأد أي نوع من ظهور تطلعات مدنية او شعارات تنادي بالديموقراطية وحكم الشعب.
ملحوظة: في احدي المرات طرح احد القراء سؤال جاء جاء فيه: ما العمل ، هل نهاجم القوات المسلحة ككل “جنرالات وقادة عسكريين وضباط وجنود بلا استثناء”.. ام نهاجم فقط القيادات العليا ونستثني الجنود المساكين المؤتمرين بأوامر عليا؟!!
***- وأخيرا، كل الضباط القدامى والجدد وحتي الجنرالات الذين يحكمون البلاد اليوم طبقوا في تعاملهم مع المدنيين مقولة الجنرال الألماني النازي بول مقولته المعروفة يوزف غوبلز:”عندما اسمع كلمة مثقف اتحسس مسدسي.”.
الاخوة المحترمون الأستاذان بكري الصائع، وعدو كيمو الشايقي،
لكما كامل التحية والتقدير على ما بذلتماه من جهد في ردكما الوافي والمثمر، والذي أغنى المقال وسدّ الثغرات التي كانت موجودة في تناول محطات تاريخية مهمة. لقد ساهمت مساهمتكم في تقديم صورة أكثر اكتمالاً لمراحل هذه المؤسسة المعطوبة، بما يعكس تاريخها وممارساتها المتكررة، ويسلط الضوء على نتائجها المتوقعة في سياق التجربة الوطنية. ومن خلال هذا المنظور، يمكن القول إن هذه المؤسسة واجهت تاريخياً تحديات كبيرة وأثبتت محدودية قدرتها على معالجة القضايا الجوهرية التي يواجهها السودانيين، ومع ذلك ما زالت تصر على ممارسة السلطة غصباً عن إرادتهم، رغم أن البلاد تمر بمرحلة حرجة من الأزمات والتدهور في مختلف المجالات، مما يعكس الحاجة الماسة لإعادة النظر في طرق التعامل مع مستقبل هذه التجربة الوطنية التي حدد الدستور مهامها وليس من ضمنها كرسي السلطة.