بيان خارجية الخرطوم: اليقظة من الأوهام وفرصة الخروج الأقل كلفة

ميرغني أبشر
في الوقت الذي تستعر فيه نيران الحرب بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران من جهة أخرى، يكتسب بيان حكومة الأمر الواقع في الخرطوم بشأن الهجمات الإيرانية على دول الخليج دلالة خاصة تتعدى حدود الموقف الدبلوماسي من هذه الهجمات إلى أهميته السياسية عند القوى الفاعلة في الشأن السوداني، الأهمية التي تنبع من الجهة التي أصدرته: وزارة الخارجية، ليس بوصفها المؤسسة الأكثر التصاقاً بتوازنات السودان الخارجية فحسب، ولكن بوصفها الحاضنة التاريخية لنفوذ الإسلام السياسي ومؤتمره الوطني المسيطر على مقاليد الأمر في حكومة الأمر الواقع.
وقبل المضي إلى جوهر هذا التحليل، لا بد من استحضار سياق فكري سبق أن طُرح في هذا المنبر. ففي 25 يناير الماضي، نشرنا في “صحيفة الراكوبة” قراءة استشرافية لمسار الحالة السودانية استناداً إلى تحولات النظام الدولي في مرحلة ما بعد ميثاق المنظمة الدولية. كتبنا حينها أن جماعة الإخوان المسلمين في السودان، وحزبها السياسي المؤتمر الوطني، أخفقت في إدراك أن مشروعها بات امتداداً متأخراً لأيديولوجيات قرر النظام العالمي تفكيكها دون تردد. فالإسلام السياسي، في صيغته السلطوية، لا يواجه أزمة داخلية فحسب، وإنما يقف في مواجهة مسار دولي امتد قرناً كاملاً نجح في تفكيك النازية والفاشية، مروراً بالماركسية والقومية العروبية، وليس انتهاءً بالإسلام السياسي.
من هذا المنظور، لا يبدو النظام المدعوم بالإسلام السياسي في السودان حالة شاذة في التاريخ السياسي المعاصر، وإنما حلقة ضمن سلسلة تتآكل. وكذلك الحال في مصر ذات الحكم العسكري، وإيران الثيوقراطية، وتركيا في ظل قيادة رجب طيب أردوغان؛ جميعها تقف، بدرجات متفاوتة، أمام موجة إعادة هندسة عالمية تستهدف البنى العقائدية المغلقة أكثر مما تستهدف الأفراد.
وختمنا آنذاك بخلاصة مفادها أن العالم الذي أتاح صعود الإسلام السياسي قد انقضى، وأن النظام الدولي الجديد لا يمنح مساحة للمشاريع الأيديولوجية الشمولية. وإذا لم يحدث الانتقال طوعاً، فإن الخروج سيكون قسرياً وبكلفة أعلى، في سياق تاريخي يتسارع ولا يعيد فصوله.
الجملة المحورية في ذلك الطرح كانت واضحة: “وما لم يكن الانتقال طوعياً، فإن الخروج سيكون قسرياً، وبكلفة أعلى”. والمقصود بالانتقال هنا هو مقترح الرباعية الداعي إلى وقف الحرب والتمهيد لمسار سياسي يقود إلى حكومة مدنية انتقالية. هذه الخارطة تتبناها دول الرباعية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو مسار يصعب تصور التراجع عنه، خصوصاً في ظل الحقبة الترامبية، حيث أظهرت التجربة الإيرانية في التفاوض حول البرنامج النووي والأسلحة الاستراتيجية أن واشنطن لا تتوقف عند سقف الطرح الأول، وإنما تمضي أبعد حين ترى أن مصالحها تستدعي ذلك.
هذه المقدمة ضرورية لفهم السؤال المركزي: ماذا يعني بيان وزارة خارجية حكومة الأمر الواقع في السودان بشأن الهجمات الإيرانية على دول الخليج؟
أولاً، ما يسمى بدول “التوازن” أو المحور المناهض لهيمنة واشنطن — روسيا، الصين، تركيا، كوريا الشمالية — لا تبدو في وارد خوض مواجهة مكشوفة مع الولايات المتحدة الأمريكية. أقصى ما يمكن أن تذهب إليه هو بيانات الإدانة والشجب، حتى مع حقيقة أن طهران قدمت دعماً عسكرياً عينياً لموسكو في حربها ضد أوكرانيا.
ثانياً، واشنطن لا تحتاج إلى ذرائع إضافية لتبرير سياساتها في المنطقة، ولا تتطلب غطاءً أممياً أو تعبئة سياسية واسعة كي تمضي قدماً في تنفيذ خياراتها.
ثالثاً، الإدارة الأمريكية، خصوصاً في ظل الترامبية، لا تؤمن بسياسة النفس الطويل أو الصبر الاستراتيجي لتحقيق أهدافها، فمثل هذه المقاربات تُعد، في نظرها، أدوات من لا يملك القدرة على الحسم.
أما النقطة الخامسة والأكثر وضوحاً في بيان خارجية الخرطوم فتتمثل في إقرار ضمني بأن مركز الثقل السياسي لم يعد محصوراً داخل مؤسسات السلطة في السودان، وإنما أصبح جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أوسع. إن تجاهل ذكر الإمارات العربية المتحدة مع الإشارة إلى بقية دول الخليج يعكس نهجاً طفولياً في قراءة الراهن. فقد تصدرت المملكة العربية السعودية البيان، في وقت أعادت فيه الأزمة ترسيم العلاقة بين الرياض وأبوظبي بصورة أكثر حميمية، خاصة بعد تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التي وضعت إمكانات المملكة في خدمة الإمارات. وكان يمكن للبيان أن يشكل فرصة لاختراق مهم في العلاقة بين الخرطوم وأبوظبي، في زمن لا تحكمه المواقف الشوفانية بقدر ما يُقاس بميزان المصالح العليا.
استناداً إلى ما تقدم، فإن الرهان على موقف صلب من دول “التوازن” لحماية نظام الخرطوم من تبعات تعنته تجاه خارطة الرباعية يبدو أقرب إلى الوهم. الخرطوم تدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن ملف الحرب في السودان خرج من نطاق إرادتها السياسية المباشرة، وأن معادلاته تُرسم في فضاء أوسع يتجاوز حدودها السيادية. والسؤال لم يعد ما إذا كان الانتقال سيحدث، وإنما كيف، وبأي كلفة.


ما عندكم شغل غير السعي لوضع الدولة ومؤسساتها والشعب المغلوب على امره في مواجهة قوى متغطرسة لا تؤمن بعدل ولا بمبادئ
انما تصنعون هذا لتصفية خصومة سياسية ليس لمبادئ
تصنعون هذا سعيا لحكم اضعتموه بحماقات صغار لم يكون اهل لحكم