
ليست المدن حجارة فقط.
هي ذاكرة تمشي على قدمين، وتنام في العراء حين يهجرها أهلها.
وحين تُفرغ المدينة من ناسها، لا تبقى فارغة… بل تمتلئ بشيء آخر.
حكى لي صديق أنه سافر إلى الخرطوم ليتفقد بيته في أحد أحيائها الشرقية.
قال إنه كان مستعدًا لرؤية الخراب، لكنه لم يكن مستعدًا لرؤية الفراغ.
وصل، فتح الباب، فوجد الجدران فقط.
لا سرير، لا كرسي، لا أثر لحياة مضت.
حتى الغبار بدا غريبًا، كأنه ليس غبار بيته.
في الليل، افترش الأرض.
لم يكن يملك خيارًا آخر.
قال إنه أغمض عينيه محاولًا استعادة شيء من طمأنينة الأمس، لكنه لم ينم.
كانت الموسيقى تأتيه من أطراف المدينة ووسطها.
صخب غناء، إيقاعات متداخلة، لغات متعددة، ضحكات، صفير، كأن الخرطوم تقيم مهرجانًا سريًا لا يدعو أحدًا من أهلها.
وفي الصباح قال لي عبارته بهدوء جاف:
“أيقنت أن الجن احتلوا الخرطوم”.
لم يكن يمزح.
فكرة الجن ليست هنا أسطورة بريئة.
في المخيال الشعبي، تنجذب الجن إلى الأماكن السالبة، إلى الخرائب، إلى رائحة الدم والجثث، إلى البيوت التي غادرها ساكنوها فجأة.
والخرطوم، أثناء الحرب وبعدها، صارت مسرحًا مكشوفًا لهذه الطاقة الثقيلة.
مدينة جُرحت ولم تجد وقتًا لتضمد جراحها.
حين يفرغ المكان من معناه، يبحث المعنى عن جسد آخر يسكنه.
وحين يهرب الناس من بيوتهم، تظل الجدران شاهدة، لكنها لا تستطيع الحراسة.
في تلك اللحظة يتسلل شيء غامض، لا نراه، لكنه يملأ الفراغ.
قد نسميه خوفًا، أو صدمة جمعية، أو طاقة سالبة، أو ببساطة… جنًا.
صديقي لم ير كائنًا خفيًا، ولم يصطدم بظل عابر.
لكنه سمع ما لم يكن ينبغي أن يُسمع.
مدينة تعزف في الليل، بينما أهلها في المنافي.
أصوات غريبة تتقاطع في شوارع كانت تعرف أسماء ساكنيها واحدًا واحدًا.
ربما لم يكن ما سمعه موسيقى فعلية، بل ارتداد ذاكرة المدينة.
المدن، مثل البشر، حين تتعرض لصدمة عنيفة، تصدر أصواتًا لا يفهمها إلا من عاش فيها.
صخب بلا مناسبة، احتفال بلا سبب، ضحك يخرج من بين الركام.
كأن الخرطوم، في محاولة دفاع أخيرة، تقرر أن تنكر موتها المؤقت بالغناء.
الحروب لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر طبيعة الصمت.
هناك صمت بريء يشبه استراحة التعب، وصمت آخر يشبه كمينًا.
الخرطوم عرفت النوع الثاني.
الصمت فيها لم يعد حيادًا، بل انتظارًا متوترًا، كأن المدينة تحبس أنفاسها منذ شهور ولا تجد شجاعة الزفير.
حين تتراكم رائحة البارود والدم، لا تتبخر بسهولة، بل تترسب في الجدران، في المسامات، في الأحلام.
وحين يعود أحدهم لينام على أرض بيته، يكتشف أن الأرض لم تعد أرضه تمامًا، وأن الهواء نفسه صار غريبًا، كثيفًا، كأنه يمر عبر ذاكرة جريحة قبل أن يصل إلى الرئتين.
صديقي قال إن الموسيقى لم تكن مجرد أصوات.
قال إن بينها فجوات مخيفة، فراغات قصيرة يسقط فيها القلب فجأة.
كأن الغناء لم يكن احتفالًا، بل تغطية على شيء أعمق.
كأن المدينة تحاول أن ترفع صوتها حتى لا تسمع أنينها.
وفي تلك اللحظات، بين نغمة وأخرى، كان يشعر أن الخرطوم ليست مسكونة بكائنات خفية، بل بشيء أثقل: شعور بالخذلان، كأنها تُركت وحيدة في منتصف الطريق، فلا هي ميتة تمامًا، ولا هي قادرة على الحياة كما كانت.
لكن ثمة نوعًا آخر من الجن، لا يسكن الخرائب بل يسكن المكاتب.
جن لا ينتظر فراغ البيوت، بل يصنعه.
تسلل إلى مفاصل الدولة كما يتسلل الهواء الفاسد إلى الرئة، حتى صار جزءًا من التنفس اليومي.
لم يكتف بأن يحتل البيوت، بل احتل المعنى ذاته؛ بدّل اللغة، شوّه العدالة، وأقنع المدينة أن الخراب قدر.
هؤلاء لا يفرّون حين يعود الناس إلى بيوتهم، لأنهم يسكنون في البنية لا في الجدران، وفي القرار لا في الأزقة.
فإن كان الجن يهرب بضوء البشر، فهؤلاء… متى يهربون؟
ربما لم يحتل الجن الخرطوم.
ربما الذي احتلها هو أثر الحرب، حين يتجسد في هيئة خوف جماعي.
وربما الغناء الذي سمعه صديقي لم يكن إلا صدى حياة قديمة ترفض أن تموت.
لكن المؤكد أن المدن، حين تُنزَع منها أرواح ناسها، تصبح عرضة لكل شيء:
للنهب، وللنسيان، وللأساطير.
والخرطوم، حتى وهي مثخنة بالجراح، لا تزال تقاوم بطريقتها الغامضة.
قد يغني ليلها بلغات لا نفهمها، وقد تمتلئ شوارعها بأشباح الذاكرة، لكنها في النهاية ليست مدينة للجن، بل مدينة تنتظر عودة بشرها.
فحين يعود الناس،
يهرب الجن.
هي ذاكرة تمشي على قدمين، وتنام في العراء حين يهجرها أهلها.
وحين تُفرغ المدينة من ناسها، لا تبقى فارغة… بل تمتلئ بشيء آخر.
حكى لي صديق أنه سافر إلى الخرطوم ليتفقد بيته في أحد أحيائها الشرقية.
قال إنه كان مستعدًا لرؤية الخراب، لكنه لم يكن مستعدًا لرؤية الفراغ.
وصل، فتح الباب، فوجد الجدران فقط.
لا سرير، لا كرسي، لا أثر لحياة مضت.
حتى الغبار بدا غريبًا، كأنه ليس غبار بيته.
في الليل، افترش الأرض.
لم يكن يملك خيارًا آخر.
قال إنه أغمض عينيه محاولًا استعادة شيء من طمأنينة الأمس، لكنه لم ينم.
كانت الموسيقى تأتيه من أطراف المدينة ووسطها.
صخب غناء، إيقاعات متداخلة، لغات متعددة، ضحكات، صفير، كأن الخرطوم تقيم مهرجانًا سريًا لا يدعو أحدًا من أهلها.
وفي الصباح قال لي عبارته بهدوء جاف:
“أيقنت أن الجن احتلوا الخرطوم”.
لم يكن يمزح.
فكرة الجن ليست هنا أسطورة بريئة.
في المخيال الشعبي، تنجذب الجن إلى الأماكن السالبة، إلى الخرائب، إلى رائحة الدم والجثث، إلى البيوت التي غادرها ساكنوها فجأة.
والخرطوم، أثناء الحرب وبعدها، صارت مسرحًا مكشوفًا لهذه الطاقة الثقيلة.
مدينة جُرحت ولم تجد وقتًا لتضمد جراحها.
حين يفرغ المكان من معناه، يبحث المعنى عن جسد آخر يسكنه.
وحين يهرب الناس من بيوتهم، تظل الجدران شاهدة، لكنها لا تستطيع الحراسة.
في تلك اللحظة يتسلل شيء غامض، لا نراه، لكنه يملأ الفراغ.
قد نسميه خوفًا، أو صدمة جمعية، أو طاقة سالبة، أو ببساطة… جنًا.
صديقي لم ير كائنًا خفيًا، ولم يصطدم بظل عابر.
لكنه سمع ما لم يكن ينبغي أن يُسمع.
مدينة تعزف في الليل، بينما أهلها في المنافي.
أصوات غريبة تتقاطع في شوارع كانت تعرف أسماء ساكنيها واحدًا واحدًا.
ربما لم يكن ما سمعه موسيقى فعلية، بل ارتداد ذاكرة المدينة.
المدن، مثل البشر، حين تتعرض لصدمة عنيفة، تصدر أصواتًا لا يفهمها إلا من عاش فيها.
صخب بلا مناسبة، احتفال بلا سبب، ضحك يخرج من بين الركام.
كأن الخرطوم، في محاولة دفاع أخيرة، تقرر أن تنكر موتها المؤقت بالغناء.
الحروب لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر طبيعة الصمت.
هناك صمت بريء يشبه استراحة التعب، وصمت آخر يشبه كمينًا.
الخرطوم عرفت النوع الثاني.
الصمت فيها لم يعد حيادًا، بل انتظارًا متوترًا، كأن المدينة تحبس أنفاسها منذ شهور ولا تجد شجاعة الزفير.
حين تتراكم رائحة البارود والدم، لا تتبخر بسهولة، بل تترسب في الجدران، في المسامات، في الأحلام.
وحين يعود أحدهم لينام على أرض بيته، يكتشف أن الأرض لم تعد أرضه تمامًا، وأن الهواء نفسه صار غريبًا، كثيفًا، كأنه يمر عبر ذاكرة جريحة قبل أن يصل إلى الرئتين.
صديقي قال إن الموسيقى لم تكن مجرد أصوات.
قال إن بينها فجوات مخيفة، فراغات قصيرة يسقط فيها القلب فجأة.
كأن الغناء لم يكن احتفالًا، بل تغطية على شيء أعمق.
كأن المدينة تحاول أن ترفع صوتها حتى لا تسمع أنينها.
وفي تلك اللحظات، بين نغمة وأخرى، كان يشعر أن الخرطوم ليست مسكونة بكائنات خفية، بل بشيء أثقل: شعور بالخذلان، كأنها تُركت وحيدة في منتصف الطريق، فلا هي ميتة تمامًا، ولا هي قادرة على الحياة كما كانت.
لكن ثمة نوعًا آخر من الجن، لا يسكن الخرائب بل يسكن المكاتب.
جن لا ينتظر فراغ البيوت، بل يصنعه.
تسلل إلى مفاصل الدولة كما يتسلل الهواء الفاسد إلى الرئة، حتى صار جزءًا من التنفس اليومي.
لم يكتف بأن يحتل البيوت، بل احتل المعنى ذاته؛ بدّل اللغة، شوّه العدالة، وأقنع المدينة أن الخراب قدر.
هؤلاء لا يفرّون حين يعود الناس إلى بيوتهم، لأنهم يسكنون في البنية لا في الجدران، وفي القرار لا في الأزقة.
فإن كان الجن يهرب بضوء البشر، فهؤلاء… متى يهربون؟
ربما لم يحتل الجن الخرطوم.
ربما الذي احتلها هو أثر الحرب، حين يتجسد في هيئة خوف جماعي.
وربما الغناء الذي سمعه صديقي لم يكن إلا صدى حياة قديمة ترفض أن تموت.
لكن المؤكد أن المدن، حين تُنزَع منها أرواح ناسها، تصبح عرضة لكل شيء:
للنهب، وللنسيان، وللأساطير.
والخرطوم، حتى وهي مثخنة بالجراح، لا تزال تقاوم بطريقتها الغامضة.
قد يغني ليلها بلغات لا نفهمها، وقد تمتلئ شوارعها بأشباح الذاكرة، لكنها في النهاية ليست مدينة للجن، بل مدينة تنتظر عودة بشرها.
فحين يعود الناس،
يهرب الجن.



