تحت المجهرالإصلاح أم التأسيس.. قراءة نقدية لأفكار د. النور حمد في ظل لحظة التأسيس
بقادي أحمد عبد الرحيم

ظللنا نؤكد طوال الفترة الماضية ان البلاد تمر الآن بوضعاً لا يمكن توصيفه كأزمة حكم عادية أو تعثر انتقال سياسي، بل كحالة انهيار نموذج الدولة نفسه.
في مثل هذه اللحظات، لا يعود الخلاف فكرياً حول أفضل مسار للإصلاح، بل حول طبيعة المرحلة التاريخية .
بعد اطلاعي على حوار الدكتور النور حمد الاخير مع الاستاذ خالد محي الدين وقد فوجئت أنه احد المفكرين الرئيسيين لتحالف تأسيس وعضو الهيئة القيادية للتحالف وبدون إنكار لقيمته الفكرية، ولتحديد موقعه الحقيقي داخل معركة إعادة بناء الدولة عمدت على تحضير هذه المادة لاستعراض رؤيته المتناثرة في الاسافير من لقاءات وقصاصات فكرية وبناء عليه نطرح ما لدينا من رأى حول اطروحاته؛.
نبتدرها بسؤال جوهري
هل نحن أمام مسار إصلاحي طويل أم أمام لحظة قطيعة تتطلب مشروع تأسيس جديد؟
هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لقراءة رؤية النور حمد قراءة نقدية سياسية، لا فكرية مجردة فالرجل يشوب اطروحاته انها لا تملك أدوات تنفيذ واضحة بل لا تصلح لتكون برنامجاً سياسياً (فكري نظري فقط).
دكتور النور حمد دائما ما يميل إلى *نظرية إصلاح تاريخي طويل* وينطلق من تشخيص عميق مفاده أن أزمة السودان هي:
فشل تاريخي في بناء الدولة الوطنية، وخلل في الثقافة السياسية(وهنا اتفق معه في هذه الجزئية) وأزمة في علاقة المجتمع بالدولة
بالإضافة إلى ضعف في بنية النخب.
وبالتالي، يطرح مساراً يقوم على:
تحول ثقافي طويل المدى
يفضى إلى إعادة بناء الوعي المدني وإصلاح تدريجي للنخب والمؤسسات
لإعادة بناء الشرعية عبر التوافق الاجتماعي.
من هذه الزاوية ينبهر كل من يتابع سرديات هذا المفكر الجمهوري الفذ
من قوته التحليلية الواضحة.
لكننا نختلف معه لانه يفترض ضمنياً أن:
الدولة ما زالت قائمة وقابلة للإصلاح.
وهنا تبدأ الإشكالية.
مأزق الافتراض هذه وبعد انضمامه لقوى التأسيس التي تنادي بالسودان الجديد والتأسيس الصفري هل يحمله ام تخلى عنه؟
لأننا نجيب عبر مشروعنا المطروح على سؤال هل ما زالت الدولة موجودة؟ بكل حزم وقوة ووضوح كامل ان في ظل التحولات التي شهدتها البلاد وإنتاج واقع مختلف مثل:
تفكك مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة المسلحة
وانهيار الاحتكار السيادي للعنف
وتآكل الشرعية التاريخية للنظام السياسي بالإضافة إلى تصدع الاقتصاد السياسي للدولة المركزية اكيد لا توجد دولة.
من هذا السياق، عزيزنا دكتور النور حمد
*هل نتحدث عن إصلاح دولة أم عن إعادة بنائها من جديد؟*
إذا كانت الأزمة هي انهيار نموذج الدولة، فإن المقاربة الإصلاحية – مهما كانت عميقة ثقافياً قد تصبح غير كافية سياسيا (اليس كذلك).
تتبعت رؤيتك لموضوع الشرعية وقد وجدتك تُحيل المشكلة إلى فقدان الثقة، وأن الحل يتمثل في إعادة بناء شرعية توافقية تدريجية.
كيف ذلك وشرعية الدولة المركزية تآكلت تاريخياً
وهنالك قطاعات واسعة لم تعد ترى نفسها ممثلة داخل بنيتها، فالعلاقة بين المركز والأطراف او قل قوى الريف لم تعد أزمة ثقة، بل أزمة بنية سلطة وهنا يظهر الفرق الجوهري ما بين رؤيتنا التأسيسية ورؤيتك الاصلاحية لأن
الإصلاح يقابله استعادة الشرعية.
أما
التأسيس تعني خلق شرعية جديدة بالكامل
وفي حالات الانهيار التاريخي، غالباً لا يمكن استعادة الشرعية القديمة، بل يجب استبدالها.
أما فيما يختص بمسألة النخب السودانية التي اضع الدكتور من ضمنها
للحقيقة فإنه قدم نقداً مهماً للنخب السودانية، لكنه يبقي دائماً على فرضية إمكانية:
إصلاحها
تجديدها
تغيير ثقافتها السياسية
بينما تشير التجربة التاريخية إلى أن:
النخب المركزية ليست فقط حاملة لثقافة سياسية، بل مرتبطة بشبكات مصالح
هذه الشبكات هي جزء من بنية السلطة والاقتصاد وإعادة إنتاجها يحدث حتى بعد كل تغيير سياسي
وبالتالي، فإن التحدي لا يقتصر على تغيير الثقافة يا دكتور، بل على: إعادة توزيع القوة اجتماعياً وجغرافياً
وصعود نخب تأسيسية جديدة، لا مجرد إصلاح القديمة.
اما فيما قمنا بطرحه سابقآ من جدلية المركز والهامش – من خطاب العدالة إلى إعادة الهيكلية وجدت ان المفكر دكتور النور حمد يعترف بالمظلومية التاريخية للأطراف، ويدعو إلى:
عدالة تنموية وتمثيل سياسي أفضل يشخصها بعقلية نخبوية بائنة.
المشكلة ليست نقص تنمية فقط كما يتم الإشارة عليها،
بل احتكار بنيوي للسلطة والثروة، دولة صُممت تاريخياً لإعادة إنتاج المركز.
وهنا يصبح المطلوب في حكومة التأسيس :
إعادة توزيع السلطة فعلياً
لا مركزية حقيقية، مشاركة الأطراف كشركاء مؤسسين للدولة.
وهذا سيكون انتقال من منطق العدالة التصحيحية إلى إعادة هيكلة الدولة نفسها (اذا ما كنتم كمفكرين ملتزمين بمشروع التأسيس فعلا لا استهلاك سياسي يمنح قوى السودان القديم الفرصة لترتيب أوراقها او إعادة إنتاجها في التحالف الحالي وحرف مسارها من تأسيسي لسلطوي مبنى على تقاسم السلطة) لأنني لمحت في سردياتك اعتماد التحول طويل الأمد يرتكز على إصلاح تدريجي يمر ببناء الإطار الفكري للدولة لحمايته من الانحراف السلطوي ولكن للأسف اني ارى هذا الانحراف الان في ما حدث من محاصصات بين ال24 تنظيما الموقعين على الميثاق) .
نصيحة مني
يجب اغتنام لحظات الانهيار الحالية لانه:
إما أن تُعاد صياغة الدولة سريعاً
أو تعود قوى النظام القديم بشكل أكثر صلابة
وهنا يكمن الخطر غير المقصود او المقصود الذي انتقده فيما يراه الدكتور للمقاربات الإصلاحية البطيئة: أنها قد تخلق فراغاً زمنياً يسمح بإعادة إنتاج نفس البنية التي نُريد تجاوزها.
أخيراً
من خلال متابعتي لما يطرحه الدكتور النور حمد فهو يطرح
مشروع ما بعد التأسيس وما نريده الآن إقرار القطيعة التاريخية بالدولة القديمة وإيجاد سلطة تأسيسية و تأسيس عقد اجتماعي جديد .
*رسالتي للمفكر النور حمد*
لا يمكن للمجتمع أن يغيّر نفسه داخل دولة منهارة،
لكن دولة جديدة عادلة يمكنها أن تفتح الطريق لتحول اجتماعي عميق
فالدولة اليوم لا تقف أمام خيار إصلاح نظام، بل أمام سؤال أكبر:
هل نعيد إنتاج الدولة القديمة بصيغة جديدة
أم نخوض معركة تأسيس دولة مختلفة في بنيتها وشرعيتها؟
وفي هذا السياق، تظل الرؤية الإصلاحية ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها.
فالمرحلة الحالية ليست مرحلة إصلاح الوعي فقط، بل مرحلة إعادة تأسيس الدولة نفسها.



