
لذلك، لا إسرائيل ولا ترامب مخوّلان أخلاقياً لإحداث تغيير في أنظمة لا تقيم وزناً لشعوبها بحجة فرض الديمقراطية. فاستخدام القوة لفرض رؤية إصلاحية ليس إلا استبدالاً لعنف بعنف أشد منه، وتجاهلاً لنمو وعي الشعوب وثوراتها التي تناضل من أجل انتزاع حقوقها بأدوات التغيير السلمي. فالتغيير الحقيقي هو الذي يحفظ استمرار الحياة للأجيال الشابة المنوط بها إحداث التحول الفعلي، ولو طال الزمن، ويتجنب تدمير البنية التحتية التي بنتها تلك الدول بعرق أبنائها، في وقت يعاني فيه العالم أزمات اقتصادية وشحاً في الموارد. كما أن الحروب كثيرا ما تتحول إلى أسواق عالمية للسلاح، وتستثمر في خدمة مصالح اقتصادية كبرى تحت غطاء نشر القيم أو حماية الشعوب.
أن نظام الملالي، في وعي غالبية معتقديه، عقيدة إسلامية أكثر منه نظاماً سياسياً لذلك فهو لا يموت بالضربات العسكرية الصاروخية لأنه متجذر في عقول أنصاره من الشيعة. ولهذا يتخوف كثيرون منهم على النظام باعتباره جزءً من معتقدهم الديني. فالتخلي عن مفهوم (الدولة الإسلامية الإيرانية) أي النظام المتطرف، قد يفهم لديهم بوصفه تخلياً عن الإسلام نفسه، بينما قد يرون في التخلي عن النظام السياسي أمراً مقبولًا إذا ثبت فشله في بناء دولة تحقق العدالة والكفاءة الإدارية علي ضوء الاحكام الإسلامية بحسب زعمهم.
ومن هنا فإن قرار إسقاط النظام الإرهابي أو الاستمرار فيه يجب أن يكون فعلاً صادراً من الشعب ووعيه بخطورة الاستبداد والتطرف والتوظيف الديني للسياسة، لا نتيجة صلف قوى خارجية ذات اجندة خفية. ولا يختلف في ذلك دونالد ترامب، الذي يكرر (ان الله أنقذه ليجعل أمريكا عظيمة) وان ركيزة بناء أمريكا (امة واحدة تحت قيادة الله)، بالرغم من ان الدستور الأمريكي لا يسمح للكونغرس الأمريكي بتحديد دين! وهو ما يعكس أن الصراع في كثير من أبعاده ذو طابع عقائدي، وجيوسياسي معلن أو مبطن، فإسرائيل في هذه الحرب تسمي الصواريخ البالستية التي أطلقتها علي إيران (بسفر التكوين) و(زئير الأسد) بحسب التوراة. الشاهد، يبقى السبيل الأسلم الحصيف هو الالتزام بالدبلوماسية في حل الأزمات السياسية، وعدم الإغراق في العنف الذي سيولد عنفاً مضادا يزعزع أمن المجتمعات من داخلها. فالتجارب أثبتت أن تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية يخلف فراغاً وفوضى أكثر مما يحقق استقراراً، بدليل ما جرى في العراق بعد عام 2003، وفي ليبيا عام 2011، وكذلك في أفغانستان بعد التدخل الدولي، إذ إن إزالة رأس النظام لا تعني تأسيس نظام بديل أقل عنف.
وبالطبع، لا يعني هذا دفاعاً عن النظام الاسلامي الإيراني أو عن أي نظام عقائدي يوظف الدين لضمان بقائه في الحكم. فقد شهدنا نماذج في دول أخرى، مثل تجربة الإسلاميين في السودان، حيث ألتحف المشروع السياسي بغطاء ديني، وانتهى الأمر بإطالة أمد الحكم دون تحقيق دولة المشروع الحضاري المزعوم. فالأنظمة ذات التوجه العقائدي تحرك العقل الجمعي بالعاطفة الدينية لضمان استمرارها في السلطة، وكذلك الأنظمة العلمانية المفروضة سياسيا بالسلاح ولا تعني بطبيعة التكوين الديني والعقدي لشعوبها لا تقدم غير مشاريع رغائبيه. إن تغيير الأنظمة الاستبدادية لا يتحقق بقوانين الغابة، فالعنف الخارجي لا يصنع حرية ولا ديموقراطية، بل يعيد إنتاج القهر بأدوات مختلفة. والتغيير، وإن طال، يظل مرهونا بإرادة الداخل وببناء وعي جمعي يرفض الاستبداد والارهاب ويرفض في الوقت ذاته استبداله بالعنف.




نعم، مقال ممتاز.
فعلا، وكما أشرتى، ان تغيير الأنظمة استبدادية كانت ام ديمقرطية، لا يتم بالعنف، لأن ذلك يؤدى الى انتاج عنف ءاخر وبأدوات اخرى. والأفضل كما او ضحتى هو تغيير الأنظمة بالإرادة الداخلية والوعى المجتمعى.
نعم مقال ممتاز جدا ..ونختلف مع الكاتبة اختلاف جوهري لإيمانها بإبعاد دور التدين في حياة الشعوب من البناء .
فالدين مصدر بناء والتدين مصدر قوة للفرد والجماعة .
نعم التجارة بأمر الدين من اجل الكسب السياسي والمادي امر مرفوض كما ان ابعاد امر الدين من حياة الشعوب خاصة الشعوب المسلمة بالكلية امر غير ممكن .
الاوربيون بما فيهم الامريكان سيما المتعصبين من النصارى واليهود وهم يمثلون طبقات متعلمة ومؤثرة جدا في مجتمعاتهم لا يغفلون عن دور واثر الدين والتدين في حياة شعوبهم كيف نطالب المسلمين بإغفال هذا الدور الهام بحجج من شاكلة العلمانية او تحرير شأن الدولة من الدين لا يمكن تحرير شأن المجتمع كله من اثر الدين فيما بين افراده من الدين والدولة او القائمين عليها جزء بسيط من المجتمع .
رجاء كونوا واقعيين في امر الدين المجتمعات لن تتخلى عن دينها وسيظل امر الدولة متأثر بتدين المجتمع ودين غالبية اهل هذا المجتمع .
الخلاصة لا يمكن ابعاد شان الدين من أي جزء من حياة الانسان المسلم .