أخبار السودان

لم تطرح الجهات المختصة حتى الآن خيارات أخرى، مما يثير الشكوك حول إمكانية تحقيق عاصمة بلا ?نايلون?

تحقيق ? أفراح تاج الختم
في وقت يحتدم فيه الجدل العلمي حول مدى مطابقة أكياس البلاستيك الخفيفة للمواصفات الصحية، يصر المجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم على تطبيق قراره بمنع هذا النوع من الأكياس البلاستيكية مطلع العام المقبل، دون تقديم أي خيارات بديلة تحفظ للمواطنين صحتهم، وتصون بيئتهم، في وقت تتعرض فيه المصانع العاملة في هذا المجال لخسائر بالملايين، ويُشرد مئات العاملين.
لكن كل ذلك لا يمنع من ملاحظة أن منظر النفايات وأكياس البلاستيك الخفيفة والمتطايرة عمل على تشويه وجه العاصمة وجعله مجهدا مصابا بالبثور والندبات، ومعروف أن هنالك أنواعا من أكياس البلاستيك تؤثر على الحيوان والزرع ولا تتحلل في التربة إلا بعد مرور (300) عام.
ولمعالجة جزء من هذه الأزمة، أصدر المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية قرارا يمنع تداول أكياس البلاستيك الخفيفة مطلع هذا العام، باستثناء الأكياس الطبية وستكون هناك مواصفة جديدة للكيس (60 مايكروناً)، ليكون سميكا وغير طيار.
بيد أن أصحاب مصانع أكياس البلاستيك انتقدوا القرار، واعتبروا أن الجهات الرسمية عجزت عن معالجة أزمة النفايات، واكتفوا بمعالجات جزئية، وقال هؤلاء إن هذا القرار سيعمل على تشريد عدد كبير من العمالة بقطاع مصانع أكياس البلاستيك والتي تقدر بـ(50) ألف عامل، وتعطيل عدد كبير من الماكينات.
وأشاروا إلى أن المجلس أصدر القرار بشكل فردي دون الرجوع لهيئة المواصفات والمقاييس التي أقرت بأن أكياس (البولي إيثلين) آمنة تماما للاستخدامات الغذائية. وفي ظل عدم وجود بديل للكيس يرى المجلس الأعلى للبيئة أن البديل يوجده السوق وعلى المواطن العودة للبدائل السابقة مثل (البستلة للفول واللبن، والقفة للخضار واللحوم والخبز).
?148? مصنعاً
في المنطقة الصناعية بأم درمان وقفنا على مصانع أكياس البلاستيك لمعرفة ما ستؤول إليه بعد قرار حظر استخدام أكياس البلاستيك الخفيفة والذي سيسري اعتبارا من مطلع العام المقبل لعدد (148) مصنعاً بولاية الخرطوم.
وخلال تجوالنا على المصانع وجدنا أن هناك مصانع متخصصة لكل نوع من الأكياس، فكل عشرة مصانع مثلاً تتنافس في منتج مثل أكياس المواد الغذائية بأنواعها، وأخرى متخصصة في أكياس النفايات بأشكالها، لكن الشريحة الأكبر من المصانع تصنع أكياس كيلو ونصف كيلو وأكياس رول، وتعتبر أكياس البلاستيك مصدر دخل لكثير من الأسر ذات الدخل المحدود.
وهناك أسر تأخذ الأكياس من المصنع وتجلب ماكينات تضع عليها علامة الجهة التجارية.
تشريد العمالة
مأمون عبد العزيز عبد الرؤوف، صاحب مصنع للعبوات البلاستيكية، يقول إن مصنعه بعد تطبيق هذا القرار سيفقد نصف طاقته الإنتاجية، أي ما لا يقل عن (15) ماكينة ستتوقف عن العمل، وقال إن الماكينة (الميني) التي تنتج أكياساً صغيرة الحجم (أكياس الكيلو ونصف الكيلو) من الاستحالة أن تنتج مقاسا كبيرا.
وأضاف أنها يمكن أن تنتج الكيس الصغير بمواصفة الـ(60) مايكروناً، التي حددها المجلس الأعلى للبيئة، ولكن سيكون لكيس الكيلو ونصف الكيلو عدد من العيوب، منها أنه سيكون غالي السعر وسيفقد الكيس خاصية الربط نتيجة لسمكه، وبالتالي سيعرض المواد الغذائية به للذباب والأتربة ويستخدم بكثرة للساندويتشات.
وأضاف مأمون أن سماكة الكيس العالية ستكلف الدولة نقدا أجنبيا بسبب أن الاستيراد سيكون مضاعفاً، وكذلك الاستهلاك وستقل العمالة في المصانع بنسبة (50 %).
وأقر بأن المواصفة الجديدة (60 مايكروناً) جيدة لمقاسات معينة من الأكياس مثل الأكياس الكبيرة، وأوضح أن الأكياس ذات المقاسات الصغيرة لا تتحمل هذه المواصفة.
وبين أن أكياس الكيلو ونص الكيلو وربع الكيلو صممت للشرائح الضعيفة من المواطنين لشراء احتياجاتهم مثل الزيت والسكر وغيرها.
وأضاف مأمون أوضحنا للمجلس أن المصانع تعمل بمواصفة العام (2009) الصادرة من المواصفات والمقاييس وهي تلزم المصانع التي تنتج المقاسات الصغيرة بأن تكون (30) مايكروناً. وقال مأمون: ?نحن غير معترضين على مواصفة (60) مايكروناً للأكياس الكبيرة، وبين أن هناك مصانع يمكن أن تنتج أكياساً ثقيلة وخفيفة ومصانع لا تستطيع ذلك.
إعادة التدوير
من جانبها، أقرت مديرة شعبة مصنعي أكياس البلاستيك شيراز الطيب أن الشارع السوداني مشوه بالأكياس المعلقة في الأشجار كمنظر بيئي مضر بالنظر لكنها رجعت وقالت لـ(اليوم التالي) إن هذه ليست مشكلة صناعة، وبينت أن تسميته بالكيس الطيار ليست تسمية دقيقة، فكل كيس يطير.
وتؤكد شيراز أن مواصفة (60) مايكرونا ليست حلا جذريا لمشكلة النفايات والكيس الطيار، وقالت إن هناك حلا مطروحا منذ سنين طويلة، وهو حل إعادة التدوير، الآن هناك أكثر من (60) مصنع إعادة تدوير لأكياس البلاستيك والتي تدخل في صناعات أخرى.
المواصفات والمقاييس
وترى رئيسة شعبة مصنعي أكياس البلاستيك أن كيس البلاستيك أأمن بحسب ما أكدت هيئة المواصفات والمقاييس والتي أصدرت مواصفة يعمل بها جميع أصحاب المصانع، وأوضحت شيراز أن هذا القرار ليس فيه مرجعية لهيئة المواصفات والمقاييس باعتبارها جهة مسؤولة وتابعة لرئاسة الجمهورية، وهي الجهة الوحيدة المخول لها تحديد مواصفة وسماكة الكيس، وقد اطلعت الهيئة على تجارب الدول المجاورة، وأضافت شيراز أن المواصفة التي يعمل بها السودان الآن هي مواصفة جنوب أفريقيا.
وقالت شيراز إن هناك مواصفة جديدة أصدرتها هيئة المواصفات والمقاييس باعتبارها الجهة المرجعية للاستناد عليها في أي قرار يختص بالمواصفات.
قرار فردي
ويقول المستثمر في صناعة البلاستيك أسامة أبو الغيط إن القرار سيؤثر على العمالة ويقود إلى تشريدها، موضحا أن مصنعه يضم (250) عاملا.
وقال أبو الغيط إن القرار الذي أصدره المجلس الأعلى للبيئة هو قرار فردي ويكون القرار بالتنسيق مع كل الجهات المعنية وزارة الصناعة والمواصفات والمقاييس والجمارك من أجل الصالح العام.
ويضيف أبو الغيط: ستظل الأكياس أقل من (60) مايكرونا موجودة في السوق لأنها تأتي في عبوات من الخارج لا تستطيع مطالبة الجهات الموردة للمنتجات الالتزام بمواصفة (60) مايكرونا مثل أكياس الشبس والمكرونة وغيرها.
وأضاف أن هناك ماكينات لا تستطيع أن تعمل أكثر من (60) مايكرونا، فتصميمها كذلك وأن هناك (60-70 %) منها بالمصنع كذلك، وقال إن لديهم مخزونا في المصنع لا يعلم كيف يتخلصون منه.
توقف ?50? ماكينة
وترى مديرة شعبة مصنعي البلاستيك، شيراز الطيب، أن إبقاء هذه الصناعة هو تشجيع للصناعة الوطنية لأنها تدر مزيدا من الأموال لخزينة الدولة، وأكدت أنهم طالبوا المجلس الأعلى للبيئـة باستثناء الأكياس الأكثر استهلاكاً والتي لا تطير، ويحدث لها إعادة تدوير بسهولة مثل أكياس الكيلو ونصف الكيلو والأكياس المستهلكة بصورة يومية، ولكن لم تحدث منهم استجابة لذلك .
ويوضح صاحب مصنع بلاستيك أن هناك (40-50) ماكينة ستتوقف ولا تصلح لأي استخدام بمصنعه.
إغلاق ومشكلات مالية
وناشدت شيراز الطيب رئيس الجمهورية والاقتصاديين للتدخل في قرار إيقاف تصنيع أكياس البلاستيك الخفيفة وإعادة النظر فيه.
وترى رئيسة شعبة مصنعي أكياس البلاستيك أن واحداً من سلبيات هذا القرار أن هناك مصانع كثيرة ستغلق وقد يدخل أصحابها في مشاكل مالية نسبة لوجود التزامات، ففترة السماح لشهرين للمصانع ليست كافية لصناعة بهذا الحجم.
شيراز أكدت لـ( اليوم التالي) أنهم تقدموا بمقترحات كمصنعي أكياس بلاستيك للمساهمة في توعية المواطن والمسؤولية المجتمعية وأن يتم التداول بطريقة محددة، فعملوا على تنظيف الشوارع والمستشفيات وأسهموا بالتوعية الإعلامية.
فشل مشروع النظافة
يقول صاحب أحد المصانع إن لديه (4) ماكينات أكياس خفيفة من جملة (10) ماكينات، ستكون خارج دائرة الإنتاج.
ويضيف أن المواطن هو المتضرر الأكبر سواء كان تاجرا أو غيره.
وقال إن في بعض أطراف الولاية هناك أسر لا تستطيع شراء صباع المعجون كاملا، وتأخذ جزءا منه في كيس من البقالة.
ويرجع صاحب مصنع للعبوات البلاستيكية مأمون عبد العزيز عبد الرؤوف هذا القرار إلى تقصير ولاية الخرطوم في جمع النفايات، ويتهمها بأنها تريد أن تجعل مصانع البلاستيك شماعة لفشلها في جمع النفايات.
وقال مـأمون إن مصنعه به ما لا يقل عن (66) عاملا، وأوضح أنهم في أول شهر من القرار سيرون طبيعة السوق ومن ثم يعملون.
ووصف مأمون قرار الإيقاف بأنه احتيال على أصحاب المصانع، لابد أن يطالبوا الدولة بتعويضات، وقال إنه قرار غير مدروس الغرض منه إغلاق المصانع، كما حدث في مصانع الغزل والنسيج وغيرها.
?300? عام ليتحلل الكيس
ويوضح الخبير البيئي، بشرى حامد، الخطر البيئي للكيس، ويقول لـ(اليوم التالي)، إنه يؤثر على الأراضي الزراعية والمنتجة مما يمنع الأنشطة البيولوجية للأحياء الدقيقة بالتربة، وبالتالي يؤدي إلى تدهور التربة والإنتاج الزراعي، وذلك ترك أثراً خاصة في المناطق الريفية وانتشاره داخل الزراعة.
ويشير بشرى إلى أن البلاستيك يأخذ حوالى (300) عام في التربة حتى يتحلل، وهو يحمل مواد سامة.
ويرى بشرى أن المشكلة الأساسية في البلاستيك تعامل المستهلكين معه، ويقول لـ(اليوم التالي)، إننا كمجتمع لا نحسن التعامل مع البلاستيك مما أدى إلى تبعثر أكياس البلاستيك وانتشارها وتشويه منظر المدينة وانسداد مصارف المياه، والتعلق في الأشجار وحمل المياه عند هطول الأمطار مما يؤدي إلى توالد البعوض، علاوة على تأثيره في نمو الأشجار وأوراقها.
?40? ألفاً رسوم للمصنع
يقول صاحب مصنع للبلاستيك بأم درمان إن هذا الإجراء هو دمار للعمالة والمصنعين، وأضاف أن هناك (200) طن مخزون، وهناك بضاعة تخزن لأكثر من عام، وقال إن المشتروات تقلصت الآن، وأشار إلى أن إيقاف المصانع سيكلف الدولة نقدا أجنبيا.
وقال إن المصنع يحتاج لمدة خمس سنوات حتى يتخلص من التزاماته المالية تجاه البنوك المقرضة له، وأكد أن المصنع يعمل به (513) عاملا لديهم استحقاقات عليه بالمليارات، وأوضح أن الدولة تربح في كل طن من البلاستيك (4) ملايين.
وأضاف أن أي مصنع لا يقل استهلاكه عن (10) أطنان في اليوم من البلاستيك الخام.
ويقول صاحب أحد المصانع إن (90 %) من الماكينات بمصنعه لغرض تصنيع الكيس الخفيف فقط، ويشير إلى أن هناك مادة تضاف للكيس تجعله يتحلل ويمكن أن تكون بديلا وليست لها أي أضرار.
عبد العزيز عبد الله (فني) بمصنع للبلاستيك، يعمل منذ (15) عاماً، تحدث بحسرة وقال إن الضرر كبير من إيقاف تصنيع الأكياس، وأوضح أنه اتخذها مهنة وحرفة منذ أن كان طالبا، وأضاف أن هذا القرار سيؤدي لتشريد عدد كبير جدا من العمال، وأبان أن هناك مصانع أغلقت وأخرى شردت عمالها، وهناك من هاجر هجرة غير شرعية.
لا يوجد بديل
رئيس المجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم، الوزير حسن إسماعيل، قال لـ(اليوم التالي) إن قانون حظر استخدام أكياس البلاستيك قد صدر وتم التوقيع عليه في العشرين من أكتوبر الماضي، وأشار إلى أن القرار أمهل المصنعين والتجار والباعة فترة شهرين من تاريخ التوقيع عليه، لإيقاف تداول الأكياس نهائياً وتوفيق الأوضاع.
وأضاف إسماعيل أنه سوف يتم منع التصنيع والتداول بشكل نهائي مطلع العام المقبل.
وبين حسن أنه ستكون هناك حملة توعوية توضح آثار ومخاطر الكيس البيئية والصحية.
وعن البديل للأكياس، يرى إسماعيل أن البديل سوف يوجده السوق وعلى المواطن العودة للبدائل السابقة (البستلة للبن والفول، والقفة للخضار واللحوم والخبز)،
وأكد أن الكيس الخفيف هو الممنوع مثل كيس الرغيف والفول والأكياس سهلة التطاير.
وأضاف أن القانون استثنى الأكياس الطبية، وقال إنه يمكن التعامل مع الكيس السميك الذي يفوق حجمه (60) مايكروناً والذي يستخدم أكثر من مرة ولا يذوب أو يؤثر على التربة الزراعية.
وأشار رئيس المجلس الأعلى للبيئة إلى أنهم سيزورن المصانع لإخطارهم وحصر الكميات، وأبدى موافقته على أي بديل للكيس تتوافر فيه الاشتراطات الصحية.
وقال إسماعيل إن الإجراء تم للمصلحة العامة والحفاظ على صحة الحيوان، وبين أن القانون سيعمم على صفحات الصحف.
وعن أين يذهب العمال؟ قال إن سوق العمل في الصناعات سيستوعبهم.
الاستخدام الأمثل
وتقر هيئة المواصفات والمقاييس بأن أكياس البلاستيك المستخدمة في تعبئة وتغليف المواد الغذائية، تصنع من مادة (البولي إيثلين) النقي، وتحظر أي إضافات إلى هذه المادة، وهي مادة آمنة تماماً للاستخدامات الغذائية وليس لها أي تفاعلات عدا الاحتراق، علماً بأن درجة انصهارها هي (135).
ويرى قسم هندسة البلاستيك بجامعة السودان أن قضية أكياس البلاستيك تحتاج لتضافر الجهود وخلق مواصفات للخامات والملونات والرقابة لطريقة التصنيع والحد من انتشارها في البيئة، وتوعية المواطن بطريقة الاستخدام الأمثل والمحافظة على البيئة، وتشجيع طريقة جمعها وإعادة تدويرها اقتصادياً كمنتجات مفيدة وغير ضارة بصحة الإنسان والبيئة. كما توجد بحوث تنفذ في قسم هندسة البلاستيك لتحويل أكياس البلاستيك إلى وقود، ويرى القسم أن الأكياس هي منتج أقل تكلفة للمواطن، وآمن على البيئة.
وتقول الجامعة إن خطورتها تكمن عند انتشارها مع النفايات وعلى الحيوانات إذا أكلتها.
?50? ألف عامل
وتؤكد شعبة مصنعي أكياس البلاستيك أن التحصيل المقدر لديوان الضرائب لـ(148) مصنع أكياس بولاية الخرطوم للأعوام الثلاثة (2014-2016)، بلغ (ثلاثمائة وواحد وأربعين مليوناً وسبعمائة وعشرة آلاف وسبعمائة وخمسة عشر جنيهاً)، وأن مساهمة شعبة أكياس البلاستيك المقدرة في إيرادات مؤسسات الدولة المختلفة منها العوائد والتأمينات الاجتماعية والزكاة والدفاع المدني وهيئة نظافة ولاية الخرطوم والمجلس الأعلى للبيئة.
وحجم العمالة المباشرة وغير المباشرة في هذا القطاع يقدر بـ(50) ألف عامل.

اليوم التالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..