
محمد داؤد بنداك
تتكرر في كل حرب كبرى مفردات جاهزة: “الدفاع عن الحرية”، “حماية الديمقراطية”، “صون الأمن الإقليمي”. غير أن التجربة التاريخية تُعلّمنا أن الخطاب المُعلن نادرًا ما يعكس كامل الحقيقة. فالصراعات التي تتداخل فيها أطراف مثل إسرائيل والولايات المتحدة وإيران لا يمكن فهمها من زاوية دعائية واحدة، بل تتطلب تفكيكًا طبقيًا للمصالح السياسية والاستراتيجية الكامنة خلفها.
أولًا: هل تُفرض الديمقراطية بالقوة؟
التاريخ الحديث يُظهر بوضوح أن التحولات الديمقراطية الحقيقية كانت في معظمها نتاج حراك شعبي طويل النفس، تراكمي، ومكلف. الديمقراطية لا تُستورد جاهزة، ولا تُفرض عبر الصواريخ، بل تُنتزع عبر نضال اجتماعي وسياسي داخلي حين تنضج شروطه الموضوعية.
وعندما تتحول “الديمقراطية” إلى مبرر لتدخل عسكري خارجي، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل الهدف فعلًا هو تحرير الشعوب، أم إعادة تشكيل التوازنات بما يخدم مصالح القوى الكبرى؟ التجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن نتائج التدخلات غالبًا ما تُنتج فراغًا أمنيًا، أو إعادة اصطفاف يخدم اعتبارات استراتيجية لا علاقة لها بمطالب الشعوب.
ثانيًا: هواجس الأمن الإسرائيلي ومعادلة الردع
لا يمكن إنكار أن إسرائيل تنظر إلى النظام الديني في إيران باعتباره تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، سواء عبر الخطاب الأيديولوجي أو عبر شبكات النفوذ الإقليمي. من هذا المنطلق، فإن أي تصعيد عسكري يُقرأ في تل أبيب ضمن معادلة “الردع الوقائي” وحماية التفوق الاستراتيجي.
غير أن من حق المراقب أيضًا أن يتساءل: إلى أي مدى يتحول منطق الأمن إلى سياسة دائمة لإعادة هندسة الإقليم بما يضمن استمرار التفوق، لا مجرد إزالة تهديد محدد؟
ثالثًا: القرار الأمريكي بين المؤسسات والمصالح
السياسة الخارجية لـ الولايات المتحدة لا تُصاغ عبر فاعل واحد، بل عبر شبكة معقدة من المؤسسات: الكونغرس، البنتاغون، مراكز الأبحاث، الصناعات الدفاعية، وشبكات الضغط السياسي. ومن الطبيعي أن تتأثر القرارات الكبرى بحسابات داخلية وانتخابية واقتصادية.
الحديث عن نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة موضوع قائم في الدراسات السياسية، لكنه لا يفسر وحده اتجاهات القرار. فهناك أيضًا اعتبارات تتعلق بالطاقة، وأمن الممرات البحرية، ومنع تشكل قوى إقليمية مهيمنة خارج الفلك الأمريكي.
رابعًا: الدين والسلطة… تجربة متكررة
النظام الديني في إيران يُقدَّم من قبل منتقديه بوصفه نموذجًا لتسييس الدين وتوظيف العاطفة المذهبية لإحكام السيطرة السياسية. وهذه الظاهرة ليست فريدة؛ فقد عرف السودان تجربة مماثلة في عهد الإسلاميين، حيث تحوّل الخطاب الديني إلى أداة تعبئة وهيمنة.
غير أن نقد الأنظمة الدينية لا يعني بالضرورة تأييد تدخل خارجي لإسقاطها. فالتغيير الحقيقي، كما تؤكد تجارب الشعوب، ينبع من الداخل، عبر وعي مجتمعي متراكم ونضال طويل، لا عبر حرب تُعيد إنتاج التبعية بشكل جديد.
خامسًا: الحروب وصرف الأنظار
في أوقات الأزمات الداخلية، كثيرًا ما تُتهم الحكومات باستخدام التصعيد الخارجي لإعادة توحيد الداخل أو تحويل الاهتمام عن قضايا محرجة. قضايا مثل ملف جيفري إبستين تُستخدم في الخطاب السياسي كمثال على أزمات أخلاقية وسياسية داخلية عميقة في الولايات المتحدة.
غير أن الربط بين حرب بعينها وهدف صرف الأنظار يظل فرضية تحليلية تحتاج إلى أدلة مباشرة، حتى لا يتحول النقد السياسي إلى استنتاج غير موثق.
خلاصة
القول إن هذه الحرب تُشن “من أجل الحرية والديمقراطية” تبسيط مخل، كما أن اختزالها في سبب واحد — أمني أو أيديولوجي أو اقتصادي — لا يعكس تعقيد الواقع. الأرجح أننا أمام تداخل مصالح: حماية تفوق استراتيجي، إعادة ضبط توازنات إقليمية، وحسابات داخلية للقوى الكبرى.
أما الشعوب، فهي غالبًا الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر. والتاريخ يُثبت أن الحرية لا تُمنح بقرار خارجي، بل تُنتزع حين تنضج شروطها في الداخل.



