خريف الأقنعة.. السودان بين سندان “الأيدولوجيا” ومطرقة “السيادة”

السماني شكرالله
في لحظات الصدق الحقيقية عند المحن الكبرى، تسقط الأقنعة لا بفعل الخصوم، بل بثقل الحقائق نفسها. وما يجري اليوم في مواقف الحركة الإسلامية السودانية تجاه الحرب الدائرة حول إيران ليس سوى فصل جديد من فصول انكشافٍ طال انتظاره؛ انكشافٌ يضع السودان بين سندان الأيدولوجيا ومطرقة السيادة الوطنية.
قبل أسابيع، أطلق القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تساؤله الشهير وهو يلتفت يمنة ويسرة: “أين هم الكيزان؟”. بدا السؤال آنذاك كأنه محاولة لخلق مسافة بين السلطة وبين التنظيم الذي حكم السودان ثلاثين عاماً. غير أن الأيام لم تحتاج إلى كثير وقت لتجيب؛ فقد جاء الرد مدوّياً من داخل خطاب الحركة الإسلامية نفسها، حين طفحت الوسائط بتصريحات قادتها وهم يصطفون – بوضوح لا لبس فيه – في خندق التأييد للمواقف الإيرانية في صراعها مع دول الخليج العربي.
ليست هذه مفاجأة لمن يعرف تاريخ هذا التنظيم. فالحركة الإسلامية السودانية لم تكن يوماً كياناً سياسياً عادياً تحكمه حسابات الدولة ومصالحها، بل ظلت أسيرة رؤية أيدولوجية عابرة للحدود، ترى في صراعات المنطقة امتداداً لمعركتها الفكرية. بالأمس وقفت الحركة إلى جانب غزو العراق للكويت، متجاوزةً أبسط قواعد التضامن العربي، واليوم تعيد إنتاج المشهد ذاته وهي تميل – صراحة أو تلميحاً – إلى محور طهران، واضعةً دول الخليج في خانة الخصوم الأيدولوجيين الذين يجب التوجس منهم.
ذلك ليس مجرد خطأ سياسي عابر، بل هو تعبير عن بنية فكرية لم تتغير منذ تسعينيات القرن الماضي؛ بنية ترى في إيران “حليفاً ثورياً”، وفي دول الخليج “امتداداً لنفوذ غربي” ينبغي مقاومته. ومن هنا يصبح من السهل فهم تلك الحماسة التي يبديها بعض رموز الحركة لكل ما يصدر عن طهران، حتى وإن كان الثمن هو إدخال السودان في صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.
غير أن المفارقة الأكثر قسوة تكمن في هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والمصلحة الوطنية. فالسودان، بواقعه الاقتصادي والسياسي الهش، لا يملك رفاهية العداء مع محيطه العربي، ولا القدرة على تحمل تبعات الاصطفاف في محاور الصراع الكبرى. ودول الخليج، التي وقفت مراراً إلى جانب الشعب السوداني في لحظات العسر، ليست مجرد جغرافيا بعيدة، بل هي امتداد اجتماعي واقتصادي وإنساني عميق في حياة ملايين السودانيين.
لكن الحركة الإسلامية، في اندفاعها الأيدولوجي، تبدو مستعدة للمقامرة بكل ذلك. فعودة العلاقات مع إيران، وما يرافقها من حديث عن تعاون عسكري وتصنيع حربي وتدريب وتسليح لكتائب التنظيم، ليست مجرد خطوة دبلوماسية؛ إنها إعادة بعث لتحالف قديم لطالما وضع السودان في قلب العواصف الإقليمية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يدرك صانع القرار أن السيادة الوطنية لا تُدار بمنطق التنظيمات، بل بمنطق الدولة؟ فالدول لا تبني سياساتها الخارجية على ولاءات عقائدية، بل على شبكة معقدة من المصالح والاعتبارات الاستراتيجية. أما التنظيمات الأيدولوجية، فغالباً ما ترى في الدولة مجرد منصة لمشاريعها العابرة للحدود.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الشعب السوداني – بتكوينه الثقافي والاجتماعي – أقرب إلى محيطه العربي والخليجي من أي محور آخر. فالعلاقة مع الخليج لم تكن يوماً علاقة سياسة فحسب، بل علاقة دمٍ وعملٍ ومصير مشترك. ولهذا فإن أي محاولة لجرّ السودان إلى خصومات مع هذا المحيط لا تعكس إرادة شعبه، بل تعكس حسابات تنظيم يسعى لحماية نفسه ولو على حساب الوطن.
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي:
إما أن يستعيد بوصلته كدولة عربية ذات سيادة مستقلة، تحكمها مصالح شعبها، أو أن يبقى أسير تناقضات تنظيمٍ لا يزال يعيش في ظلال معارك أيدولوجية مضى زمانها.
وفي هذا الخريف السياسي الذي تتساقط فيه الأقنعة، لم يعد السؤال: أين هم الكيزان؟
بل السؤال الأصدق: إلى أي اتجاه يريدون دفع السودان؟
وهل يملك الوطن ما يكفي من القوة ليفلت أخيراً من قبضة الأيدولوجيا قبل أن تدفعه مرة أخرى إلى حافة العزلة؟



