
في كل المنعطفات الصعبة من تاريخ التعليم في السودان، كانت لجنة المعلمين السودانيين تقف عند المحك، لا تساوم في الحق، ولا تتردد في رفع الصوت حين يصمت الآخرون. لقد اعتاد المعلمون أن يجدوا في هذه اللجنة صوتهم المجلجل، وضميرهم الحي، ومنبرهم الذي يعبّر عن آلامهم وآمالهم.
واليوم، يأتي بيان لجنة المعلمين الأخير ليقدح الزناد، لا ليطلق مجرد احتجاج عابر، بل ليعلن بداية ثورة حقيقية، تدرك أن الحقوق لا تُستجدى، وإنما تُنتزع انتزاعاً.
لقد كشف منشور الأجور الذي صدر أخيراً عورة السياسات التي أدارت ظهرها للتعليم وللمعلمين. وعودٌ ضخمة تمخّضت في النهاية عن فتاتٍ لا يساوي كرامة المعلم ولا يلامس واقع الانهيار الاقتصادي الذي يطحن العاملين في الدولة.
إن ما حدث ليس مجرد خطأ إداري أو خلل فني في حساب الأجور؛ بل هو تعبير صريح عن فلسفة حكمٍ مختلة، ترى في السلاح أولوية، وفي القلم عبئاً ثقيلاً. فلسفة تكافئ من يحمل البندقية، وتهمّش من يحمل الكتاب. وهنا تكمن الخطورة الكبرى، لأن المجتمع الذي يهين معلميه إنما يهين مستقبله.
المعلم في السودان لم يعد يطلب ترفاً، ولا يسعى إلى امتيازات استثنائية؛ بل يطالب بأبسط مقومات الحياة الكريمة، حتى يستطيع أن يؤدي رسالته دون أن يثقل كاهله الجوع والقلق. فكيف يُطلب من المعلم أن يبني عقول الأجيال وهو عاجز عن بناء يومه؟
لكن الحقيقة التي يجب أن تترسخ اليوم في وعي المعلمين جميعاً هي أن الحقوق لا تسقط بالصمت فقط، بل تضيع أيضاً حين يغيب الوعي بقيمتها. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة رواتب فحسب، بل معركة وعي وإرادة وتنظيم.
لقد قالتها التجربة السودانية بوضوح: حين يتوحد المعلمون يصبحون قوة اجتماعية هائلة، قادرة على تغيير المعادلات. وحين يتفرقون تضيع حقوقهم بين دهاليز الوعود الكاذبة.
ولهذا فإن بيان لجنة المعلمين ليس مجرد بيان مهني؛ إنه نداء إلى يقظة فكرية. دعوة لأن يدرك المعلمون أنهم ليسوا موظفين هامشيين في دولةٍ مضطربة، بل هم عماد المجتمع وروحه العاقلة.
ومن هنا تبدأ الثورة الحقيقية:
ثورة الوعي، وثورة التنظيم، وثورة الإصرار على الكرامة.
إننا نقول للمعلمين في كل ولايات السودان: لا تخشوا الطريق، فأنتم لستم وحدكم. إن جموع الشعب السوداني، وكل ضمير حي فيه، يعرف أن كرامة المعلم من كرامة الوطن نفسه. وسيجد المعلمون، حين ينهضون، مؤازرة واسعة من المجتمع الذي يعرف جيداً أن معركة التعليم هي معركة المستقبل.
لقد قال شاعر الشعب:
ويا حاسب سكاتنا رضا
أمانة بطونا ماها غراق
رضينا بلا قرن ننساك
وحين نحرن جبل يا ساق.
فالصمت ليس رضا، والصبر ليس ضعفاً، لكنه قد يتحول في لحظة الوعي إلى قوة هائلة تغيّر مجرى التاريخ.
إنها اللحظة التي ينبغي أن يدرك فيها المعلم السوداني أن كرامته ليست قضية نقابية ضيقة، بل قضية وطن بأكمله.
فإلى الأمام يا معلمي السودان.
وإلى الأمام يا لجنة المعلمين السودانيين.
فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي ينهض معلموها لا تُهزم، وأن الحقوق التي تُنتزع بإرادة الوعي لا يمكن أن تُسلب مرة أخرى.
المجد للتعليم… والكرامة للمعلم… والسلام للسودان.



