مقالات وآراء

التأسيس ما بين المشروع والتحالف ضرورة فكرية وسياسية للتفريق بينهما

بقادي أحمد عبدالرحيم

في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب وسقوط ما تبقى من وهم الدولة القديمة، برز مصطلح (التأسيس) باعتباره عنوان المرحلة التاريخية الجديدة،
غير أن هذا المصطلح، الذي يفترض أن يحمل مضمونًا فكريًا عميقًا يتعلق بإعادة بناء الدولة السودانية من جذورها، تعرض خلال الفترة الأخيرة لقدر كبير من *الخلط المتعمد بين المشروع التاريخي للتأسيس وبين تحالف تأسيس بوصفه أداة سياسية حاكمة في لحظة معينة*.
هذا الخلط ليس مجرد خطأ في الفهم، بل يمثل مشكلة فكرية وسياسية خطيرة، لأنه يسمح للبعض بتصفية الحسابات مع المشروع عبر مهاجمة التحالف، أو *بالعكس يحاول البعض تحصين أخطاء التحالف عبر الاحتماء بالمشروع نفسه* (كالذي يقوم به المقرر مكين حامد تيراب وبعض الشلليات التي واللوبيهات القبلية داخل التحالف – وربما نشرع في الكتابة عنهم في قادم الأيام)؛
وفي الحالتين تضيع الحقيقة الأساسية: التأسيس مشروع تاريخي (كمنفيستو السودان الجديد، ولاحقا برنامج ميلاد الدولة السودانية الجديدة) ، بينما التحالف مجرد أداة سياسية مؤقتة في مسار هذا المشروع.
التأسيس كمشروع تاريخي
عندما نتحدث عنه فإننا لا نتحدث عن حكومة مؤقتة، ولا عن تحالف سياسي نشأ في ظروف الحرب،بل نتحدث عن مشروع تاريخي لإعادة بناء الدولة السودانية بعد انهيار النموذج الذي حكم البلاد منذ الاستقلال.
لقد كشفت الحرب بوضوح قاسٍ أن ما كان يسمى بالدولة السودانية لم يكن في الحقيقة سوى بنية سلطة احتكرتها نخب المركز التاريخي، وتوارثتها أنظمة مختلفة من الطائفية إلى العسكر وصولًا إلى الحركة الإسلامية. هذه البنية لم تنتج دولة وطنية، بل أنتجت دولة مختطفة، وظيفتها الأساسية حماية مصالح شبكات محدودة من السلطة والثروة.
من هنا جاءت فكرة التأسيس بوصفها محاولة للخروج من الحلقة التاريخية المغلقة التي ظل السودان يدور فيها منذ عقود

فالتأسيس يعني ببساطة إعادة بناء الدولة على قواعد جديدة تقوم على:
إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم
إعادة توزيع السلطة والثروة على أساس العدالة
بناء مؤسسات حديثة تقوم على المواطنة لا الامتيازات التاريخية
إنهاء احتكار الدولة بواسطة تحالف العسكر والإسلام السياسي
بمعنى آخر، التأسيس ليس مجرد تغيير للنظام السياسي، بل تغيير لبنية الدولة نفسها.
تحالف تأسيس
أما تحالف تأسيس فهو كيان سياسي نشأ في سياق الحرب والتحولات العسكرية والسياسية التي أعقبتها. هذا التحالف، بحكم الظروف التي ولد فيها، يمثل محاولة لتجميع قوى مختلفة حول فكرة إدارة مرحلة انتقالية في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة القديمة، مع طرح نفسه كبديل سياسي محتمل.

*لكن من الخطأ الجسيم اعتبار أن هذا التحالف هو التجسيد الكامل لمشروع التأسيس* فالتحالف، بطبيعته، يظل مجرد أداة سياسية تحكمها التوازنات والمصالح والتجاذبات بين مكوناته. ولذلك فمن الطبيعي أن تظهر داخله:
*اختلالات إدارية
*صراعات نفوذ
*ضعف في البنية المؤسسية
*أخطاء في إدارة التحالف أو اتخاذ القرار*(وهذا ما يحدث الان).
وهذه كلها أمراض معروفة في كل التحالفات السياسية، خصوصًا تلك التي تتشكل في ظروف الحرب والتحولات العنيفة.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتم الخلط بين الأمرين فهناك من يحاول استخدام أخطاء إدارة التحالف ليعلن أن مشروع التأسيس نفسه قد فشل؛ وفي المقابل هناك من يحاول الدفاع عن التحالف مهما كانت أخطاؤه، بدعوى أن نقده يمثل هجومًا على المشروع.
كلا الموقفين يمثلان قراءة خاطئة
فالمشروع أكبر من التحالف، وأعمق من أن يختزل في تجربة سياسية واحدة، والتحالف بدوره ليس مقدسًا، بل هو كيان سياسي قابل للنقد والإصلاح بل وحتى (التغيير) إن لزم الأمر.

إن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأفكار الكبرى لا تقاس بأداء أدواتها المؤقتة. فقد تفشل الحكومات، وتنهار التحالفات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة فشل الفكرة التي قامت عليها.

المعركة الدائرة اليوم في السودان ليست مجرد صراع على السلطة بين أطراف متنافسة، *بل هي في جوهرها صراع بين مشروعين للدولة*
الأول: مشروع الدولة القديمة، التي أعادت الحركة الإسلامية إنتاجها عبر تحالف العسكر والكتائب العقائدية وشبكات المصالح المرتبطة بها.
والثاني: مشروع التأسيس، الذي يسعى إلى كسر هذه الحلقة التاريخية وبناء دولة جديدة أكثر عدالة وتوازنًا.
في هذا السياق يصبح من الضروري حماية مشروع التأسيس من خطرين متوازيين:
خطر اختطافه بواسطة مراكز القوة داخل التحالفات، وخطر تصفيته سياسيًا عبر ربطه بأخطاء تلك التحالفات.
ضرورة الموقف الفكري والسياسي
إن الموقف الأكثر اتساقًا مع فكرة التأسيس هو التمييز الواضح بين المشروع والتحالف. دعم المشروع لا يعني بالضرورة القبول بكل ما يصدر عن التحالف، ونقد التحالف لا يعني التخلي عن المشروع(أليس كذلك)،
بل على العكس، إن النقد الصادق والواعي قد يكون في كثير من الأحيان أحد شروط حماية المشروع نفسه من الانحراف أو الاختطاف.
فالمشروعات التاريخية الكبرى لا تُبنى بالولاء الأعمى للتحالفات، بل تُبنى بالقدرة على النقد والإصلاح وإعادة تصحيح المسار.
إن الحفاظ على هذا التفريق بين المشروع التأسيسي وتحالف تأسيس ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية لحماية مشروع التأسيس من الاختزال، ولضمان أن يبقى الهدف الحقيقي واضحًا وهو بناء دولة سودانية جديدة، لا إعادة تدوير الدولة القديمة بأسماء مختلفة تحمل ذات الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..