مقالات وآراء

التعليم ليس جريمة… والحقوق ليست تسييسًا ردٌّ على افتراءات إبراهيم شقلاوي ومن على شاكلته

حسن عبد الرضي

من الظواهر المؤسفة في واقعنا السوداني أن يخرج بين الحين والآخر من يتحدث في قضايا كبرى وهو لا يملك من المعرفة إلا ظلالها، ولا من الفهم إلا قشوره. ومن هؤلاء المدعو إبراهيم شقلاوي، الذي حاول أن يلبس الحق ثوب الباطل حين اتهم لجنة المعلمين السودانيين بتسييس التعليم، في قراءة مرتبكة لا تعكس إلا حالة من التخبط الفكري والمعرفي، ينطبق عليها المثل السوداني البليغ: “الما بعرف ما يدوه يغرف.”
فالقضية في جوهرها أبسط وأوضح من كل هذا الالتواء. فلجنة المعلمين السودانيين لم تنشأ حزبًا سياسيًا، ولم ترفع يومًا شعارًا أيديولوجيًا، وإنما نشأت لتدافع عن أبسط حقوق المعلم السوداني: الكرامة، والعيش الكريم، والبيئة التعليمية اللائقة.
ومن الغريب أن يتحول الدفاع عن حقوق المعلمين – في نظر بعض الكُتّاب – إلى جريمة اسمها “تسييس التعليم”، بينما يُنظر إلى الصمت على الفقر والإذلال وكأنه فضيلة تربوية!
الحقيقة التي يتجاهلها شقلاوي أن إفقار المعلم هو أكبر عملية تدمير للتعليم. فكيف يُطلب من المعلم أن يبني عقول الأجيال وهو عاجز عن تأمين ضروريات حياته؟ وكيف يستقيم ميزان المعرفة في بلد يُدفع فيه المعلم إلى حافة الفاقة ثم يُطلب منه أن يؤدي رسالته في صمت؟
إن كرامة المعلم ليست مطلبًا نقابيًا فحسب، بل هي شرط أساسي لقيام التعليم نفسه. ولهذا فإن كل المجتمعات التي احترمت التعليم بدأت أولًا باحترام المعلم، ماديًا ومعنويًا.
أما محاولة تصوير لجنة المعلمين وكأنها مصدر عدم الاستقرار، فهي قلبٌ مفضوح للحقائق.
فالمعلمون لم يصنعوا الأزمات الاقتصادية، ولم يشعلوا الحرب، ولم يدمروا مؤسسات الدولة. إنهم الضحية الأولى لهذه الفوضى، ومع ذلك ظلوا أكثر الفئات حرصًا على استمرار التعليم في أحلك الظروف.
والأدهى من ذلك أن بعض الكُتّاب يريدون من المعلم أن يتحول إلى موظف صامت يقبل الظلم ولا يحتج، ويعيش الفقر ولا يطالب، ويُسلب حقه ولا يرفع صوته.
وهذا تصور لا يمت بصلة إلى تاريخ المعلم السوداني. فالمعلم في السودان لم يكن يومًا مجرد ملقّن للدروس، بل كان دائمًا صانع وعي ومربي أجيال. ومن الطبيعي أن يكون صاحب موقف حين تُنتهك كرامته أو يُعبث بمستقبل التعليم.
إن الدفاع عن الحقوق ليس تسييسًا، بل هو أبسط أشكال الوعي المدني. والفرق كبير بين معلم يمارس حقه النقابي المشروع، وبين معلم يُطلب منه أن يتخلى عن كرامته باسم “الحياد”.
فالحياد الحقيقي في التعليم يعني الحياد داخل الفصل الدراسي تجاه الأفكار السياسية، لا الحياد تجاه الظلم الاجتماعي أو الحقوق المهنية.
وهنا يظهر الخلط الكبير في طرح شقلاوي. فهو يخلط بين العمل النقابي المشروع وبين العمل الحزبي، وهو خلط يكشف ضعف الفهم لطبيعة النقابات في كل العالم. فالنقابات وجدت أصلًا لتكون أداة ضغط سلمية تدافع عن مصالح أعضائها، وإلا تحولت إلى هياكل شكلية لا وظيفة لها. إن المطالبة بتحسين الأجور ليست مؤامرة، والاحتجاج السلمي ليس انقلابًا، والدفاع عن كرامة المعلم ليس تسييسًا. وإذا كان بعض الكُتّاب يرى أن الطريق الوحيد للمعلم هو الصمت، فذلك يعني ببساطة أنه يريد تعليمًا بلا كرامة، ومعلمًا بلا صوت، ومدرسة بلا روح.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: هل لجنة المعلمين تمارس السياسة؟
بل هو: لماذا يخاف البعض من صوت المعلم حين يطالب بحقه؟
إن المجتمع الذي يريد تعليمًا قويًا عليه أولًا أن يقف مع معلميه. والمعلمون في السودان لم يطلبوا امتيازات، بل طالبوا فقط بحقهم في حياة كريمة تمكنهم من أداء رسالتهم.
أما الذين يهاجمونهم من وراء المكاتب والصفحات، دون معرفة بطبيعة العمل التعليمي ولا بواقع المعلمين، فإنهم يذكروننا بالمثل السوداني القديم:
“الما بعرف… ما يدوه يغرف.” لأن من لا يعرف قيمة المعلم، لا يحق له أن يتحدث باسم التعليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..