مقالات وآراء

في الرحاب الوارفة لأستاذي: أبي أخي وصديقي نور الدين مدني

خالد فضل

رحل الجسد ؛ غادرته الروح السمحة التي شكلت في دنيانا نور الدين مدني , وهو بعد في الغربة لسنوات , وقد أعيد توطينه أستراليا شيخا , وذلك في أمسية الجمعة 6مارس2026م , 16رمضان .
كنت حريصا على المشاركة في تلقي العزاء وتقديمه في السرادق الذي أقيم بالقاهرة , ولقهر نعيش تحت وطأته قصرت خطاي , بعثت بكلمة مسجلة لأخي عبدالرحمن نور الدين فردّ عليّ بما زاد من لوعة الفراق وخففه في آن , قال عبدالرحمن وهو الفنان التشكيلي البارز , أخي خالد , إنّ نور الدين أستاذك مثلما هو أستاذي وأستاذ أجيال , أباك مثلما هو أبي , أخاك مثلما هو أخي وصديقك مثلما هو صديقي ففقدنا مشترك . لقد كشفت لي لحظة الرحيل وجها من وجوه حياته العامرة , ومنهج تربيته الواعية , فأبناؤه إخوته وأصدقاؤه وتلك قيمة عالية لا يحققها إلا من أوتي رفعة وسمو وهو مقام أستاذنا الراحل .
لقد تتلمذت على يدي نورالدين مدني قبل أكثر من ربع القرن من الزمان , في مدرسة جريدة الصحافة مطلع هذا القرن , تعلمت من أدبه الجم وسماحته المبهرة ورحابه الوارفة المخضرة وفيوضه الإنسانية الباذخة قبل أن أنهل من معينه المهني الرفيع , لقد كان مدرسة أخلاقية وفكرية تقوم على السماحة وسعة الصدر ورجاحة العقل والوسطية في تناول الأمور , زانه وقار وهيبة وسمت إنساني رفيع , يحترم الكبير والصغير ويشجع ناشئة الأجيال ويفرد لهم من رحابته لينا ولطفا وتوجيها حفيا ودودا .
كنت وزميلتي لبنى أحمد حسين نسبب المتاعب له , والعهد الغيهب يسود بلادنا فيعكر صفوها ويمزق نسيجها , وكان نور الدين من دعاة الوحدة الحرية والسلام لذلك كنا نستمد منه البصيرة الواعية وكان يشجعنا ويتحمل في سبيل ذلك الإستجوابات والإستدعاءات الأمنية , ثم يعود ضاحكا , يا أولاد عذبتوني معاكم لكن واصلوا وصلوا , ولم يك هيابا وجلا .
ذات مرّة قال لي : خالد إنت صحيح حبوبتك دينكاوية ؟ ابتسمت ورددت في سري , وهل لي ذلك الشرف . ما المناسبة يا أستاذ ؟ قال إن هذا السؤال سأله له ناس جهاز الأمن , عن هل خالد ده حبوبتو دينكاوية فنراه مشغولا باستمرار بقضايا الجنوب والجنوبيين . قلت إذن ليس لدينا جهاز أمن يعتمد عليه طالما أفراده بهذه السطحية , أو يظنون أن الإنحياز إلى قيم العدالة والإنصاف ترتبط فقط بالعلاقات القبلية أو صلات الدم . يا له من جهاز قاصر .
مرّة أخرى اتصل علي وكان يعلم أنني في كمبوني الخرطوم ويردد كثيرا (كمبوني لونو ما زي لوني) واظنه مقطع في أغنية ستينية . تعال يا شقي إنت كتبت شنو جعل عمك الجنرال إبراهيم إيدام يغضب , وهو الآن قي مكتبي , حضرت وسلمت فإذا بالجنرال ينفجر في وجهي , ما هذا الكلام الفارغ في عمودك اليوم . كان المقال رسالة من الأخ جمعة كمدة غبوش الإمام الذي كان يذيل كتاباته بصفة عضو هيئة علماء السودان , وفي رسالته أشار إلى مبلغ 100مليون أو شيئا كهذا تبرع بها علي عثمان لجنوب كردفان لكنها لم تصل . قلت للجنرال هذا ما قاله الكاتب ولم أقله أنا , ثم هل المقصود أنت ؟ فالكاتب لم يشر إلى اسم شخص . أوضح أنه يعرف كنده وأنه يقصده واخرج لي مجموعة فواتير بعضها مبدئية وأخرى نهائية تعطي المبلغ المذكور , في اليوم التالي نشرت القصة وما رايته من الفواتير بصيغتيها , فكان تعليق أستاذي نور الدين : والله يا ود إنت شقي أصلك ما بتنحاش , تكتب في القصة الفواتير المبدئية ؟ يعني كأنك تقول أين القروش ؟ المهم , لم يعد الجنرال ثانية , وما فتئ أستاذي نور الدين يذكر الواقعة ويضحك . له الرحمات الواسعات في هذا الشهر المبارك الذي صعدت فيه روحه الطاهرة إلى بارئها راضية مرضيا عنها إن شالله والعزاء لأسرته ولجميع أهله وذويه وزملائه وطلابه ولكافة الصحفيين والإعلاميين ولا حول ولا قوة إلا بالله .

تعليق واحد

  1. تصويب مع التحايا , لأستاذي د. جمعة كندة كومي , ولصديقي كندة غبوش فقد خلطت بين اسميهما في الواقعة التي أوردت في كلمتي , لهما العتبى وفيض التحايا والتقدير . خالد فضل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..