مقالات وآراء

السقوط الأخلاقي في حرب السودان… حينما تفقد البنادق بوصلة الوطن

محمد صالح محمد

في قواميس الحروب عادة ما تُعرف “الأخلاق” بأنها الضحية الأولى لكن في المشهد السوداني الراهن تجاوز الأمر مجرد الضحية ليصل إلى مرحلة “التحلل الشامل” للمنظومة القيمية التي حكمت النسيج الاجتماعي لعقود لم تعد الحرب الدائرة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مجرد صراع على السلطة أو “خبط عشواء” في مسار التحول الديمقراطي بل تحولت إلى مرآة كاشفة لعطب بنيوي وسقوط أخلاقي مريع وضع الدولة والمجتمع أمام استحقاقات تاريخية مؤلمة.
هندسة التوحش تحويل المدني إلى “درع وسلعة”
أبرز تجليات السقوط الأخلاقي في هذا الصراع تكمن في تغييب الخط الفاصل بين العسكري والمدني ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون العقيدة القتالية مبنية على حماية السيادة والمواطن استُبيحت البيوت والأعيان المدنية وتحولت أحياء الخرطوم وود مدني والجنينة والفاشر إلى مسارح للنهب الممنهج والاغتصاب الذي استُخدم كأداة للإذلال وكسر الإرادة السياسية والاجتماعية.
التهجير القسري لم يعد النزوح نتيجة ثانوية للقتال بل صار استراتيجية عسكرية لإخلاء مناطق النفوذ مما يعكس استهانة مطلقة بكرامة الإنسان السوداني.
عسكرة الاحتياجات و استخدام الغذاء والدواء كسلاح ومنع المساعدات عن المحتاجين يمثل ذروة الانحدار القيمي حيث تُقايض الأرواح بالمكاسب الميدانية.
الخطاب الشعبوي والتمزيق العرقي
انتقلت الحرب من الميدان العسكري إلى “ميدان الهوية” وهذا هو المنزلق الأخلاقي الأخطر لقد تم استدعاء أقبح ما في الذاكرة الجمعية من نعرات قبيلة وجنوح نحو “الإثنيات المتصارعة”.
“إن لغة التخوين ووصم المكونات الاجتماعية بالعمالة أو الارتزاق بناءً على أصولها الجغرافية ليست مجرد تكتيك إعلامي بل هي وصفة انتحارية لتمزيق ما تبقى من وحدة وجدانية.”
هذا الشحن العنصري الممنهج الذي ترعاه منصات ومؤثرون خلف الشاشات يعكس سقوطاً للنخبة السياسية والفكرية التي فضلت “الاصطفاف العدمي” على حساب الحقيقة والمسؤولية الوطنية.
المجتمع الدولي و أخلاقية “غض الطرف”
لا يتوقف السقوط الأخلاقي عند حدود الداخل بل يمتد للمجتمع الدولي والإقليمي إن حالة “اللامبالاة” تجاه مأساة هي الأكبر عالمياً من حيث عدد النازحين تعكس ازدواجية معايير فجة فالمصالح الجيوسياسية للدول المتدخلة في الشأن السوداني تغلبت على المبادئ الإنسانية مما حول السودان إلى “ساحة لتصفية الحسابات” بأدوات سودانية وسط صمت مخجل عن الانتهاكات الصارخة التي ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
مآلات الانهيار هل من عودة؟
إن السقوط الأخلاقي في حرب السودان خلق فجوة من عدم الثقة ستحتاج لأجيال لترميمها. فالحرب ستنتهي يوماً ما بطاولة مفاوضات لكن “الجروح القيمية” التي أصابت الضمير الجمعي السوداني هي التحدي الحقيقي.
إن استعادة الدولة لا تبدأ من تقاسم السلطة أو دمج الجيوش فحسب بل تبدأ من اعتراف وطني شجاع بحجم الهاوية الأخلاقية التي تردى فيها الجميع وبناء عقد اجتماعي جديد يقدس “الحياة” فوق “الأيديولوجيا” و”القبيلة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..