مقالات وآراء

السودان والمجتمع الدولي: أنصاف الحلول وتعميق الأزمات

هشام عوض

لم يكن السودان يوماً بعيداً عن دائرة اهتمام المجتمع الدولي، لكن هذا الاهتمام ظلّ دائماً انتقائياً وقصير النفس. بدلاً من استراتيجيات متكاملة طويلة الأمد، اكتفى الفاعلون الدوليون بإجراءات رمزية أو جزئية لا تُستكمل بآليات تنفيذ حقيقية أو متابعة مستمرة. والنتيجة أن «أنصاف الحلول» هذه لم تحل الأزمات، بل ساهمت في تعميقها وخلق أشكال جديدة من عدم الاستقرار.
أبرز مثال على ذلك إحالة مجلس الأمن لملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية وما تلاها من مذكرة التوقيف التي أصدرتها بحق عمر البشير عام 2009. لكن المجتمع الدولي افتقر إلى الإرادة والآليات لتنفيذ الاعتقال. ظل البشير يتنقل بين دول كثيرة دون أن يُعتقل، فبدت المذكرة إجراءً رمزياً أكثر منها خطوة قانونية ملزمة.
لكن آثار هذا التناقض لم تقتصر على الرمزية. داخل السودان، أدخل التهديد الدولي النظام في «عقلية الحصار»، فبدأ البشير يبحث عن ضمانات بقائه. بعد المذكرة، أصدر البشير مرسوماً رئاسياً يحوّل ميليشيات الجنجويد إلى «قوات الدعم السريع» رسمياً، ثم أجاز البرلمان قانوناً يمنحها استقلالية وتمويلاً وقوة غير مسبوقة. كانت هذه القوة الموازية بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) بمثابة حرس خاص يحمي البشير من انقلاب محتمل داخل الجيش. هكذا تحول تهديد دولي غير منفذ إلى عامل مساهم في تفكيك احتكار الدولة للسلاح، وصولاً إلى الحرب الشاملة التي اندلعت عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
في سياق آخر، تجلى نمط أنصاف الحلول في التعامل مع قضية جنوب السودان. اتفاقية السلام الشامل (2005) التي رعتها الترويكا (أميركا وبريطانيا والنرويج) والإيقاد والأمم المتحدة لم تكن تهدف أصلاً إلى الانفصال، بل نصت صراحة على «جعل الوحدة جاذبة» لشعب جنوب السودان. كان من المفترض أن يحقق ذلك تقاسم حقيقي للسلطة والثروة، وإصلاحات مؤسسية، وترتيبات أمنية مشتركة خلال الفترة الانتقالية.

غير أن المجتمع الدولي فشل في متابعة التنفيذ. والعقوبات على الانتهاكات بقيت ضعيفة أو غائبة، والاهتمام انحسر أمام أزمة دارفور، حتى جأر سلفاكير بالشكوى قائلا unity is not being made attractive! نجح المجتمع الدولي فقط في إجراء الاستفتاء في موعده (2011)، لكن بعد الانفصال تركوا الدولتين تواجهان مصيرهما دون ضمانات. النتيجة كانت كارثية: حرب أهلية مدمرة في جنوب السودان، واستمرار الأزمات البنيوية في الشمال حتى انفجارها في 2023. تحولت تسوية كان يُراد لها أن تكون نهاية للصراع إلى واقع إقليمي يتسم بعدم الاستقرار المزمن، رغم أن مبعث التدخل الدولي كان التغلب على العوامل الداخلية المقوضة للاستقرار، انتهى به المطاف إلى ترك هذه العوامل أكثر ايغالا في الخراب.
واليوم، نتخوف أن يتكرر النمط نفسه مع قرار الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية. التصنيف بحد ذاته لا يغير موازين القوى على الأرض بصورة جذرية، لكنه قد يدفع الأطراف المستهدفة إلى الشعور بأنها في مواجهة وجودية. في بيئة حرب أهلية هشة، قد تؤدي مثل هذه الضغوط غير المكتملة إلى تشبث أكبر بالسلطة وتوسيع دائرة القمع، بدلاً من دفعها نحو الانسحاب أو التفاوض. الخيبات السابقة تجعلنا نتوقع خيبة أخرى: قرار كبير دون رؤية سياسية واضحة للتنفيذ والمتابعة.
تكشف تجربة السودان على مدى عقود نمطاً متكرراً: قرارات دولية جريئة، لكنها ناقصة التنفيذ؛ ضغوط سياسية قوية، لكنها خالية من استراتيجية طويلة الأمد وآليات ضمان فعالة. هذه السياسات، في بلد هش مثل السودان، لا تكون مجرد حلول مؤقتة فاشلة، بل تتحول مع الزمن إلى أحد أسباب صناعة الأزمات ذاتها.
الخلاصة واضحة: إذا كان المجتمع الدولي لا يستطيع «إنقاذ» السودان، فإنه يستطيع أن يتوقف عن تعميق جراحه. الدرس ليس في التخلي عن التدخل، بل في أن يقطع التدخل الشوط كاملاً، أو لا يكون أصلاً. ففي غياب الإرادة الحقيقية والآليات الفعالة، تبقى أنصاف الحلول أخطر من عدم الحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..