مقالات وآراء

أماني الطويل تقلب خطاب القاهرة الاستعماري: دولة الكيزان انتهت… فهل انتهى زمن السودان التابع؟

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

لم يكن تصريح الدكتورة أماني الطويل عن السودان مجرد تحليل سياسي عابر. فقد جاء أقرب إلى اعتراف متأخر بحقيقة ظل السودانيون يرددونها منذ أكثر من ثلاثين عامًا: أن انقلاب الحركة الإسلامية عام 1989 لم يغير الحكومة فقط، بل أعاد تشكيل الدولة نفسها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يُقال هذا الكلام الآن؟

أماني الطويل تعترف أخيرًا: دولة الكيزان في السودان انتهت

تصريحات الدكتورة أماني الطويل الأخيرة ليست مجرد تحليل سياسي عابر. فهي في الحقيقة اعتراف متأخر بحقيقة ظل السودانيون يقولونها منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

فالحركة الإسلامية منذ انقلاب 1989 لم تسيطر على السلطة فقط، بل فككت الدولة السودانية نفسها وأعادت تركيبها على أساس الولاء التنظيمي، بحيث تحولت مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية إلى أدوات في خدمة مشروع حزبي.

وهذا يعني ببساطة أن ما كان يسمى دولة في السودان طوال العقود الماضية كان في الحقيقة دولة الحزب.

حين يتغير الخطاب في القاهرة، فهذا لا يحدث صدفة.

الحقيقة التي تأخر الاعتراف بها

ما قالته أماني الطويل ليس جديدًا بالنسبة للسودانيين. فالمعارضة السودانية ظلت منذ سنوات طويلة تقول إن انقلاب الحركة الإسلامية لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان عملية إعادة هندسة كاملة للدولة السودانية.

فالمؤسسات العسكرية والمدنية لم تعد مؤسسات وطنية مستقلة، بل تحولت تدريجيًا إلى أدوات في خدمة مشروع التمكين الحزبي.

وهكذا نشأت في السودان خلال العقود الماضية بنية سياسية يمكن وصفها ببساطة بأنها دولة الحزب.

لكن هذه الحقيقة لم تكن تجد صدى واسعًا في كثير من التحليلات الإقليمية التي كانت ترى في المؤسسة العسكرية السودانية عامل الاستقرار الوحيد في البلاد.

الحرب التي كشفت كل شيء

الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 كشفت أن الدولة التي بُنيت خلال العقود الماضية لم تكن دولة مؤسسات مستقرة، بل شبكة معقدة من الولاءات التنظيمية داخل الجيش والأمن والاقتصاد.

وعندما اهتز هذا البناء، ظهر حجم الفراغ المؤسسي الذي تعيشه البلاد اليوم.

وهنا بدأ يتغير الخطاب في بعض العواصم.

القاهرة والسودان: سؤال النفوذ

العلاقة بين مصر والسودان كانت دائمًا علاقة معقدة تجمع بين التاريخ المشترك والمصالح المتداخلة.

لكن هذه العلاقة ظلت أيضًا محكومة برؤية سياسية ترى السودان في كثير من الأحيان ضمن المجال الحيوي المصري في وادي النيل.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تثير بعض السياسات الاقتصادية والاستثمارية المصرية نقاشًا واسعًا داخل السودان حول طبيعة هذه العلاقة.

خرائط مصر الزراعية

في السنوات الأخيرة ظهرت خرائط زراعية واستثمارية مصرية بحتة أعادت تشكيل تصور الأرض المصرية في صيغتها المعدلة، بحيث تمتد من الشمال إلى الجنوب عبر محافظات توشكي والبحر الأحمر وأسوان المعدلة مند حوالي عام ٢٠١٥، مع ترك الحدود بين مصر والسودان مفتوحة في هذا التصور التخطيطي.

مثل هذه التصورات أعادت إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا في الوعي السوداني منذ زمن طويل:

هل يُنظر إلى السودان كشريكٍ مستقل في وادي النيل، أم كمجال نفوذ اقتصادي وجغرافي؟

هذا سيعتمد على وهمٍ طاغٍ لدى بعض قادة المصريين: هل ستتخلى مصر عن هذا الوهم البعيد المنال؟

لعل العبارة التي ترددت كثيرًا في بعض الخطابات السياسية والإعلامية تلخص جوهر هذا النقاش:

“السودان ده تبعنا.”

وإذا كان هناك درس واحد علمته هذه الحرب، فهو أن الدول التي تُختزل في النفوذ أو الهيمنة لا تستقر طويلًا.

السودان: لحظة إعادة التأسيس

السودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية فارقة. فالحرب لم تكشف فقط ضعف الدولة التي بناها الإسلاميون خلال العقود الماضية، بل كشفت أيضًا الحاجة إلى إعادة بناء الدولة نفسها من جديد.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى إنهاء مرحلة سياسية، بل إلى تأسيس دولة مختلفة تمامًا:

• دولة تقوم على المواطنة

• مؤسسات وطنية مستقلة

• اقتصاد منتج لا اقتصاد فساد

ما الذي تغير في القاهرة؟

يبقي السؤال الأهم:

هل تغيرت السياسة المصرية فعلًا، أم أن الذي تغير هو الخطاب فقط؟

فإذا كانت تصريحات أماني الطويل تعكس مراجعة حقيقية في قراءة الأزمة السودانية، فقد يكون ذلك بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.

أما إذا كان الأمر مجرد تعديل في اللغة السياسية، فإن الأسئلة القديمة ستظل مطروحة.

والسودان الذي يخرج اليوم من تحت ركام الحرب يحاول أن يقول شيئًا مختلفًا:

*السودان ليس تابعًا لأحد.

*السودان دولة كاملة السيادة…

*ويحاول أن يولد من جديد.

‫5 تعليقات

  1. اقتباس:- “العلاقة بين مصر والسودان كانت دائمًا علاقة معقدة تجمع بين التاريخ المشترك والمصالح المتداخلة.”.
    تعليق:-
    يا حبيب، علاقة السودان مع كل دول الجوار -بلا استثناء- كانت دائمًا علاقة معقدة تزداد كل يوم اكثر تعقيد منذ قديم الزمان الي يومنا هذا بسبب عدم وجود هوية واضحة للسودانيين وان كنا عرب ام افارقة؟!!، والشيء الذي زاد الطين بلة، ان كل الحكومات السودانية السابقة من عام ١٩٥٦ حتي حكومة الدكتور كامل ادريس الحالية انحازت للعرب بقوة في كل قضاياها، ووقفت معها في السراء والضراء علي حساب العلاقات مع الأفارقة، هذا الانحياز السلبي جعل كل الشعوب والحكومات الأفريقية تأخذ مواقف متشددة مع السودان شعب وحكومة، انفصال الجنوب عن السودان الشمالي عام ٢٠١١ عمق حساسية الافارقة مع السودان، ومن يعاين حال السودانيين في الدول العربية اليوم، يجد ان السودانيين بجالياتهم الكبيرة يحتلون المرتبة الثالثة او الرابعة مقارنة مع باقي الجاليات العربية-(السودانيين في لبنان وليبيا مثالا!!)، من كان يصدق ان بعض السودانيين تم بيعهم كالسلع قبل ثلاثة أعوام مضت في أسواق ليبيا، وطالت الاغتصابات مئات النساء والقصر، وهذه الاخبار المحبطة نشرتها كثير من الصحف العربية كنوع من الشماتة علي حال النظام الحاكم في بورتسودان!!
    لا يهمني بقليل او كثير ماذا كتبت الدكتورة أماني الطويل وعبرت عن رأي السلطة الحاكمة في مصر، فدائما السلطات أيا كان نوعها في أي مكان مكروهة من شعوبها، المهم عندي ان العلاقة بين الشعبيين السوداني والمصري قوية ومتينة…
    وبعدين ما تنسي يا دكتور أحمد، انت نوبي وانا نوبي مثلك، وتعرف كيف هي علاقة النوبيين في شمال السودان مع نوبة مصر، قوية ومتينة… وملعون ابو السياسة في البلدين.
    لك كل المودة.

    1. مع احترامي لك اخونا بكري الصائغ ولكن دعني اقول بصراحة ان واحدة من اكبر اشكالات السودان هي افتتنان بعض النوبيين بمصر وشعبها وثقافتها وايهام الناس ان هناك علاقة ازلية وحبيه وشقيقيه وما الي ذلك من هذا الهراء الذي ليس سوي صفرا كبيرا في معادلات السياسة الدولية والعلاقات والمصالح بين الدول..
      وحقيقة لم اجد اي تفسير منطقي لهذا الافتتنان، فأهلنا النوبيين هم اكثر من عانوا من صلف وغطرسة المصريين واستعبادهم لهم وبييعهم في اسواق رقيقها واغرقت اراضيهم وحضاراتهم بسد المصريين العالي ويعاملهم المصريين حتي اليوم معاملة العبيد والسفرجية والخدم ومع ذلك تجد البعض لا زالوا يدعون ان هناك وصلا و وشائج ازلية بينهم وبين المصريين لدرجة ان البعض من هؤلاء يعتبر نفسه مصريا ويحتقر بني جلدته السودانيين ويتمني ان تحكم مصر السودان كله ويتآمرون معها ليل نهار في سبيل احكام سيطرتها علي السودان وذهبه وموارده ومقدراته..
      مثلما لدينا اشكال كبير في موضوع الهوية العروبواسلامية التي فرضت علينا كسودانيين،فلدينا ايضا اشكالا اخر لا يقل كارثية عنها ويتمثل في افتتنان بعض النوبيين بمصر وهو ما يشكل خطرا داهما علي السودان وترابه وهويته وامنه القومي ويجب حسم هذا الاشكال عاجلا وبصوره ودية بتخيير اهلنا النوبه بين الإبقاء علي سودانييتهم واعتناق الهوية السودانيه والتخلي عن مساعدة مصر في اكمال مشروعها واجندتها في السودا او الانضمام لأخوتهم نوبة مصر والتمصرن معهم.

  2. انت نوبي و أنا نوبي
    هذه العبارة تلخص مشكلة السودان الا و هي القبلية على حساب الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..