
لم تكن جماعات الإسلام السياسي في السودان شجاعةً يومًا كما حاولت أن تُصوِّر نفسها. لقد بنت صورتها على الضجيج الدعائي، وعلى خطابٍ مليء بالعنتريات والشعارات الجوفاء، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى سلطةٍ تستقوي على شعبٍ أعزل، شعبٍ كريم الخصال، صبور، لم يحمل السلاح في وجوههم، بل واجه بطشهم بصدرٍ مفتوح وإيمانٍ عميق بالحرية والعدالة.
حين كانت السلطة في أيديهم، لم يترددوا لحظة في استخدام أبشع وسائل القمع. فـ”بيوت الأشباح” لم تكن مجرد مصطلحٍ سياسي، بل كانت حقيقة دامغة في تاريخ السودان الحديث، حيث مورست تحت سقوفها كل صنوف التعذيب النفسي والجسدي ضد المعارضين والمفكرين والنقابيين. هناك، خلف الأبواب المغلقة، سقطت الأقنعة مبكرًا، وظهر الوجه الحقيقي لمن رفعوا شعارات الدين بينما كانوا يمارسون الظلم باسمه.
ثم جاءت جرائم أكبر وأكثر فظاعة، كان أبرزها مأساة فض اعتصام القيادة العامة، حيث واجه الشباب العُزَّل الرصاص والنار ورمي اجسادهم الطاهرة في النيل، لأنهم طالبوا بوطنٍ حر، ودولةٍ عادلة، ومستقبلٍ بلا استبداد. في تلك اللحظة التاريخية تجلت المفارقة الكبرى: شعب أعزل يواجه بصدور عارية، وسلطة مدججة بالسلاح ترتعد من كلمة “حرية”.
لكن التاريخ لا يتوقف عند لحظة البطش. فالأيام دول، والسلطة التي ظن أصحابها أنها أبدية بدأت تتهاوى. ومع أول اهتزاز حقيقي لمواقعهم، ظهر الوجه الآخر لهذه الجماعات: وجه الجبن السياسي ومحاولة الفرار من المسؤولية.
ها هم اليوم يتبرؤون مما كانوا يتفاخرون به بالأمس. ينكرون انتماءهم إلى جماعة الإخوان المسلمين بعد أن أصبحت في نظر كثيرين حول العالم رمزًا للتطرف السياسي. فجأة صار بعضهم يتحدث وكأنه لم يكن جزءًا من المشروع ذاته الذي حكم السودان لعقود.
نرى نماذج لذلك في محاولات بعض القيادات التنصل من الماضي، وتقديم الاستقالات، أو إعادة تقديم أنفسهم بوجوهٍ جديدة، كأن الذاكرة الوطنية يمكن أن تُمحى بهذه البساطة. لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أن الشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يرحم.
إنها لحظة القفز من المركب الغارقة. لحظة يحاول فيها كثيرون النجاة بأنفسهم بعد أن أدركوا أن المشروع الذي قام على القهر والتسلط قد وصل إلى نهايته الطبيعية. ولكن السؤال الذي يظل قائمًا: إلى أين سيذهبون من ذاكرة شعبٍ خبر تجربتهم، ودفع ثمنها دمًا ودموعًا؟
لقد بشّر بعض المفكرين السودانيين منذ زمنٍ بعيد بأن مشروع الاستبداد باسم الدين لن يدوم، وأنه سينتهي يومًا بانكشاف حقيقته أمام الناس. واليوم يبدو أن تلك اللحظة تقترب، لحظة ينفض فيها السودان عن جسده آثار عقودٍ من الاستبداد والفساد.
ليس في الأمر شماتة، بل هو درس التاريخ الذي يتكرر: لا يمكن لأي سلطة تقوم على الظلم أن تستمر، ولا لأي خطابٍ يستخدم الدين ستارًا للقهر أن ينجو من المحاسبة الأخلاقية والسياسية.
إن الشعب السوداني، الذي صبر طويلًا، لا يطلب الانتقام بقدر ما يطلب العدالة. العدالة التي تعيد الكرامة للضحايا، وتضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب، وتفتح الطريق لبناء دولةٍ تقوم على الحرية وسيادة القانون.
ففي نهاية المطاف، لا يختفي الظلم في الظلال، ولا تضيع الجرائم في زحام الأحداث.
القصاص العادل سيأتي، والعدالة – وإن تأخرت – ستأخذ مجراها، لأن إرادة الشعوب أقوى من كل الطغيان.



