مقالات وآراء

حين تستجير السياسة بالغيبيات

محمد صالح محمد

بينما تئنّ شوارع الخرطوم والمدن المنسية تحت وطأة الجوع وتتصاعد أدخنة البارود لتخنق ما تبقى من رئات المتعبين يطلّ علينا وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة د.جبريل إبراهيم ليس بخطة اقتصادية تنقذ الجنيه من عثرته ولا برؤية لانتشال الملايين من حافة المجاعة بل بـ “روشتة سماوية” تحث المواطنين على قراءة “سورة الواقعة” لجلب الرزق ومواجهة الضيق.
الهروب إلى السماء من جحيم الأرض
إنها لحظة سياسية فارقة في مأساتنا السودانية؛ فأن يتحول “حارس الخزانة” وربّان الاقتصاد إلى “واعظ” يلقي بعبء الإخفاق على كاهل الغيبيات هو إعلان صريح عن إفلاس الدولة قبل إفلاس البنوك. هي لغة تفيض بالحزن والمرارة لأنها تستهدف الطبقات المسحوقة التي لم يعد لها من ملجأ سوى الإيمان لتعيد صياغة فقرها لا كأزمة إدارة أو نتاج حرب عبثية بل كاختبار روحي يتطلب “الصبر والترتيل” بدلاً من “المساءلة والتغيير”.
تسييس النص وتبرئة الذات
هذه الدعوة ليست مجرد نصيحة دينية عابرة بل هي تكتيك سياسي عميق يهدف إلى:
نقل الصراع: تحويل الأزمة من “فشل حكومي” في تدبير معاش الناس إلى “علاقة فردية” بين العبد وربه.
التنصل من المسؤولية: حين يصبح الرزق رهناً بالقراءة والتدبر وحده تسقط من على عاتق الوزارة مسؤولية كبح التضخم أو وقف تدهور العملة.
استغلال العاطفة: استدعاء الخطاب الراديكالي القديم بصبغة جديدة حيث يُستخدم المقدس لتبرير العجز الدنيوي.
واقعٌ لا ترفعه “الواقعة” وحدها
لقد كان الأحرى بمن يجلس على سدة القرار أن يدرك أن “سورة الواقعة” التي بشرت بالجنة والنعيم لم تنزل لتعفي الحاكم من عدله ولا الوزير من تخطيطه و إن استدعاء الوعود الأخروية لتخدير آلام الجوع الحالية هو نوع من “الموات السياسي”. كيف يقرأ المواطن سورة الواقعة وقلبه مشغول بتأمين “لقمة الواقع” المريرة؟ وكيف يستقيم ميزان التقوى في ظل اختلال ميزان العدالة الاجتماعية؟
وعظٌ فوق الركام
في السودان اليوم لا تبدو المشكلة في قلة القراءة أو ضعف الإيمان بل في نخبة سياسية اختارت أن تتحالف مع الرصاص ثم تطلب من ضحاياها أن يقرؤوا آيات الرزق في ليل التشريد والنزوح إنها لغة سياسية بائسة تعكس عمق الهوة بين سلطة تعيش في “أبراج التبرير” وشعب يغرق في “بحر المعاناة”.
إن الاقتصاد يُدار بالأرقام، والسياسات، والإنتاج أما الروحانيات فهي زاد الفرد ليعيش وليست مبرراً للمسؤول ليفشل.

تعليق واحد

  1. على جبريل ابراهيم ان يعيش بنفس مستوى معيشة النازحين اذا كان يريد اصلاح الاقتصاد .اما ان يقيم هو حفل لزواج ابنه بالملايين و يترك الفقراء في العراء فهو نفاق و خداع .
    اما بالنسبة لقراءة سورة الواقعة فهذا أمر بين العبد و ربه و الله يرزق من يشاء بغير حساب و على حبريل كوزير للمالية أن يقوم بالامانة التي سوف يسأله الله عنها يوم القيامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..