الحقيقة التي يحاول البعض إخفاءها: اتفاق جوبا لم يمنح وزارة المالية ولا أي وزارة أخرى لأي حركة

محمد داؤد بنداك
في خضم الجدل المتصاعد حول التعديل الوزاري المرتقب في بورتسودان، تتردد على منصات التواصل رواية تُروَّج بإلحاح مفادها أن وزارة المالية هي حق ثابت لحركة بعينها بنص اتفاق جوبا لسلام السودان. ومع تكرار هذه الرواية، يكاد يُراد لها أن تتحول إلى حقيقة في الوعي العام، رغم أنها ببساطة لا تستند إلى أي نص في الاتفاق نفسه.
وبوصفي أحد الموقعين على اتفاق جوبا، وأحد المشاركين في مفاوضاته، أجد من واجبي أن أضع أمام الرأي العام الحقيقة كما هي، لا كما يراد تسويقها سياسياً.
الحقيقة الأولى التي يجب توضيحها بجلاء هي أن مشاركة الأطراف الموقعة على اتفاق جوبا في السلطة الانتقالية تم تحديدها ضمن اتفاق القضايا القومية فقط، وليس في أي مسار آخر من مسارات الاتفاق.
وقد نص الاتفاق بوضوح على منح الأطراف الموقعة نسبة 25٪ من السلطة القومية. وبناءً على هذه النسبة تم تحديد مواقع المشاركة في مؤسسات الحكم الانتقالي، على النحو التالي:
خمسة مقاعد وزارية في مجلس الوزراء الانتقالي
ثلاثة مقاعد في مجلس السيادة الانتقالي
25٪ من مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي (الذي لم يتم تشكيله أصلاً)
منصب حاكم إقليم دارفور
منصب حاكم إقليم النيل الأزرق
إضافة إلى ولاة ولايات دارفور الأربع: شمالها وغربها وشرقها ووسطها
لكن النقطة التي يجري القفز فوقها عمداً في السجال الدائر اليوم هي أن اتفاق جوبا لم يحدد إطلاقاً أسماء الوزارات التي ستتولاها الأطراف الموقعة، كما لم يحدد اسم أي وزير.
الاتفاق حدد نسب المشاركة في السلطة فقط، ومن هذه النسبة جرى تحديد عدد المقاعد الوزارية.
أما تحديد الوزارات نفسها فقد تم لاحقاً عبر نقاشات سياسية بين ممثلين لقوى الحرية والتغيير وممثلين للجبهة الثورية. وفي تلك النقاشات تم التوافق على أن تتولى الجبهة الثورية ست وزارات هي:
وزارة المالية
وزارة التعدين
وزارة الحكم المحلي
وزارة الطرق
وزارة الشؤون الاجتماعية
لكن توزيع هذه الوزارات بين الأطراف الموقعة على الاتفاق تم داخل الحركات المسلحة نفسها، ولم يكن ذلك منصوصاً عليه في نص الاتفاق.
وهنا يجب أن تقال الحقيقة بلا مواربة:
اتفاق جوبا لم يمنح أي حركة بعينها وزارة محددة، ولم يذكر اسم وزارة بعينها كحق دائم أو حصري لأي طرف.
لذلك فإن الإصرار اليوم على أن وزارة بعينها — أو ولاية بعينها — هي حق مكتسب بنص اتفاق جوبا ليس سوى تحريف واضح لنصوص الاتفاق والتفاف سياسي على وقائعه الموثقة.
إن تحويل الاتفاقات السياسية إلى وثائق يتم تفسيرها وفق ميزان القوة والسلطة اللحظية هو أخطر ما يمكن أن يصيب أي عملية سلام، لأنه يقوض الثقة في النصوص ويجعلها عرضة للتلاعب السياسي.
وفي هذا السياق لا بد من التذكير أيضاً بموقفنا الواضح داخل حركة تحرير كوش السودانية، وهو موقف لم يتغير:
أن اتفاق جوبا لسلام السودان لا يمكن تنفيذه في ظل هذه الحرب المدمرة التي تمزق البلاد، ولا يمكن تطبيقه كذلك في ظل سلطة يهيمن عليها أعداء ثورة ديسمبر الذين انقلبوا على مسار التحول الديمقراطي.
لقد صُمم اتفاق جوبا ليكون جزءاً من عملية انتقال ديمقراطي تقودها سلطة مدنية، لا ليُستخدم كأداة لتقاسم النفوذ في ظل حرب مدمرة وسلطة أمر واقع تفتقر إلى الإجماع الوطني.
ولهذا فإن استدعاء الاتفاق اليوم لتبرير التمسك بوزارة هنا أو ولاية هناك ليس سوى محاولة لتوظيف نصوص السلام في صراع السلطة.
والشهادة للتاريخ تفرض قول الحقيقة كما هي:
اتفاق جوبا حدد نسب المشاركة في السلطة، لكنه لم يمنح وزارة المالية ولا غيرها كحق لأي حركة أو جهة.



