مقالات وآراء

من فكرٍ مُستورَد إلى وطنٍ مُدمَّر: السردية لتنظيم الإخوان في السودان ( 3 /3 )

عبدالعزيز ابوعاقلة

لم تكن الحرب في أبريل 2023 وحدها هي الكارثة، بل الطريقة التي أُديرت بها،الأكاذيب والسردية المدلسة ، واللغة التي صيغت حولها، ومن أُعطي حق الكلام ومن جُرّد منه. في هذه المرحلة الأخيرة، لم يكتفِ تنظيم الإخوان بتدمير الدولة، بل عمل على اختطاف الجيش نفسه، وتحويله من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الجميع، إلى درع سياسي وأخلاقي لمشروع الإفلات من المحاسبة.

الكل يعلم على مدى سنوات، جرى تسييس القوات المسلحة بصمت. الإحالات، والترقيات، وإعادة الهيكلة لم تُبنَ على المهنية، بل على الثقة التنظيمية. لم يكن المطلوب ضابطًا محترفًا، بل ضابطًا “مضمون الاتجاه”. ومع الوقت، لم يعد الجيش مؤسسة فوق السياسة، بل ساحة صراع داخلها، تتقدم فيها العقيدة على الخبرة، والولاء على المسؤولية. وكما قالت هانا آرنت، فإن أخطر لحظة في انحطاط الدولة هي حين تختلط السلطة بالقوة، ويُستبدل القانون بالأوامر.
ومع اندلاع الحرب، أُطلقت أكبر عملية ابتزاز أخلاقي في تاريخ السودان الحديث. تم تقسيم السودانيين وجرى احتكار تعريف الوطنية، وتحويلها إلى أداة تخوين. كل من قال “لا للحرب” وُصم بالخيانة. كل من طالب بوقف القتال اتُّهم ببيع الوطن. السلام صار شبهة، والنجاة جريمة، والبقاء في المدينة صار دليل إدانة. لم يعد المواطن مواطنًا، بل متهمًا إلى أن يثبت ولاءه للحرب اللعينة .

داخل المدن، تُرك المدنيون يواجهون مصيرهم وحدهم. انسحبت القيادات العسكرية، غادرت مقارها، وأُفرغت الأحياء من أي حماية، بينما ظل الخطاب الرسمي يطالب الناس بالصمود والتضحية. كان المشهد فاضحًا: من دعا إلى الحرب لم يبقَ فيها، ومن دفع ثمنها لم يخترها. ومع ذلك، لم يتوقف التحريض. جرى إنشاء محاكم موازية للرأي العام، تُحاكم المدنيين لأنهم بقوا في بيوتهم، أو لأنهم حاولوا النجاة، أو لأنهم رفضوا تحويل حياتهم إلى وقود لمعركة لا تخصهم.

المنطق كان بسيطًا وقاسيًا: الحرب فوق الإنسان. ومن هنا، صار اتهام الناس بالتعاون مع (الدعم السريع ) سلاحًا جاهزًا لإسكات أي صوت مستقل. لا تحقيق، لا دليل، فقط خطاب تعبوي يعيد إنتاج أسوأ تقاليد الأنظمة الشمولية. وكما كتب جورج أورويل، حين تصبح الكذبة وطنية، يصبح قول الحقيقة خيانة.

وفي الوقت الذي كان فيه المدنيون يُحاكمون معنويًا وأخلاقيًا، رُفض أي حديث عن وقف الحرب. كل مبادرة للجلوس، كل دعوة للتفاوض، جرى تصويرها كمؤامرة. لم يكن الرفض نابعًا من قوة عسكرية أو رؤية استراتيجية، بل من خوف سياسي عميق: السلام يعني السؤال، والسؤال يعني المحاسبة. الحرب وحدها كانت الضامن لبقاء الغموض، وتأجيل العدالة، وإعادة خلط الأوراق.

بهذا المعنى، لم تعد الحرب صراعًا على الدولة، بل وسيلة لإعادة احتكارها. لم يكن الهدف الانتصار، بل الاستمرار. الاستمرار في الدم، في الخراب، في تعليق الزمن. وكما قال والتر بنيامين، فإن حالة الطوارئ حين تتحول إلى وضع دائم، تصبح أداة حكم لا استثناءً. هذا ما فعله الإخوان: حوّلوا الحرب إلى نظام سياسي.

الجيش، الذي كان يمكن أن يكون جسرًا لإنقاذ البلاد، زُجّ به في معركة بلا أفق، وبلا مشروع وطني جامع. جرى استنزاف سمعته، وتوريطه أخلاقيًا، وتحميله وزر خيارات لم تكن عسكرية بقدر ما كانت سياسية. وفي المقابل، بقي المدني بلا حماية، وبلا صوت، وبلا حق في السؤال.
هكذا اكتملت الدائرة:تنظيم فاشي صادر الدولة فشل في مشروعهً ثم دمر الدولة ثم دمر المجتمع ثم اختطف الجيش ثم اشعل الحروب ثم حاكم المدنيين بأسم الوطنية المفتري عليها ورفض السلام بأسم السيادة .

لكن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بكمية الدم، ولا بعدد الشعارات، ولا بطول أمد الحرب. الوطنية، كما قال إيمانويل كانط، تقوم على احترام الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة. وكل مشروع يحوّل الإنسان إلى وقود، لا يمكن أن يدّعي الدفاع عن الوطن.
الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها:
من يختطف الجيش لا يحمي الدولة من
يجرّم السلام لا يريد وطنًا، بل حصانة.
ومن يحاكم المدنيين لأنه أراد النجاة، فقد سقط أخلاقيًا قبل أن يسقط سياسيًا.

هذه ليست حرب شرف، بل حرب خوف.
ولا خلاص للسودان إلا بكسر هذه المعادلة:
دولة بلا تنظيمات تبني علي أساس ديني زيفا فوقها، وجيش بلا وصاية ايديولوجية . وسياسة ودولة مدنية علمانية فيدالية تعود الي المدنيين الذي وحدهم دفعوا الثمن كاملا .

فالأوطان لا تُنقذ بالصراخ والتدليس والكذب ولا تبني علي الجثث ،
ولا تُحكم بمنطق “إما معنا أو ضدنا”،وهنا بالضبط تنتهي الكذبة الأخيرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..