طنين الموت في سماوات السودان حين غدت “المسيرات” قدراً يسرق الأرواح والسكينة
محمد صالح محمد

لم تعد السماء في السودان تلك المرآة الصافية التي تعكس أحلام المزارعين في القرى أو طموحات الشباب في أزقة الخرطوم المتربة. لقد تحولت زرقتها إلى كفنٍ ممتد واختنقت نسماتها برائحة البارود والموت الغادر. اليوم يرفع السودانيون أبصارهم إلى العلاء لا طلباً للمطر أو تطلعاً لفرج بل رعباً من “طنين” لعين صار هو النذير الأخير قبل أن تتحول الحياة إلى أشلاء، والبيوت إلى مقابر صامتة.
عصافير النار… والبيوت المنكوبة
تسللت “المسيرات” إلى الحرب السودانية كغربان معدنية لا قلب لها تجوب الفضاء بلا ملامح وتختار ضحاياها بدقة عمياء لا تفرق بين ثكنة عسكرية وخدر امرأة آمنة و في كل زاوية من زوايا هذا الوطن المكلوم ثمة قصة تمزق نياط القلب؛ طفلة كانت تلهو بدمية القماش في فناء دارها فإذا بصاروخ “ذكي” يحيل براءتها إلى بقعة دم لا تمحوها دموع الأرض قاطبة.
أي ذنب اقترفه ذاك الشيخ الوقور وهو يتوكأ على عصاه متجهاً لصلاة الفجر لتقتنصه عين عدسة باردة من أقصى السماء؟ إنها تكنولوجيا الفناء التي جعلت من القتل “ضغطة زر” في غرفة مكيفة بينما في الطرف الآخر ينفجر الوجع في قلب أمٍ لم تجد من جسد ابنها سوى بقايا ثيابٍ محترقة.
الموت الصامت… حاصد الأحلام
إن القسوة في الطيران المسير ليست فقط في قدرته التدميرية بل في غدره الموحش. إنه موت يأتي بلا جلبة الجيوش وبلا تحذير المدافع. هو طنين مستفز يطحن الأعصاب قبل أن يطحن الأجساد. لقد باتت الأسر السودانية تعيش حالة من “الاحتضار المستمر”؛ ينامون وهم يتساءلون: هل سيهبط ملك الموت المعدني على سقفنا الليلة؟
في أسواقنا التي كانت تضج بالحياة وضحكات الباعة وفي ملاجئنا التي نزح إليها الجوعى هرباً من الرصاص لاحقتهم هذه الآلات الصماء لم تترك لهم ركناً قصياً يلوذون به صار الجو عدواً، والصمت رعباً، والاجتماع حول مائدة طعام مخاطرة قد تنتهي بمجزرة جماعية توثقها عدسات المسيرة ببرود مقيت.
أشلاءٌ مبعثرة وضميرٌ غائب
يا وجع السودان الذي لا يبارح الروح! كيف استطاع العالم أن يقف متفرجاً على شعب يُباد بآلات تُساق بالتحكم عن بُعد؟ إن كل طفل سقط وكل امرأة ترملت وكل بيت تهدم فوق رؤوس ساكنيه بفعل هذه المسيرات هو صرخة في وجه إنسانية زائفة تدعي التطور وهي تمارس أقسى أنواع البربرية.
لم تعد المقابر تتسع ولم تعد المآقي تجد دمعاً لتذرفه. لقد جفت الدموع أمام هول المنظر؛ آباء يجمعون أشلاء أبنائهم في “شوالات” الخيش وأمهات يصرخن في الفراغ: “يا الله بأي ذنب قُتلوا؟” إنها ليست مجرد حرب إنها عملية سلخ للروح السودانية ومحو ممنهج لملامح الحياة في بلد كان يُسمى يوماً سلة غذاء العالم فصار اليوم سلة لأوجاعه.
سماءٌ لا ترحم… وأرضٌ لا تنسى
ستنتهي الحرب يوماً هكذا يقول المتفائلون لكن كيف سيمحو السودانيون من ذاكرتهم ذاك الطنين؟ كيف سيجرؤ طفل على النظر إلى طائرة ورقية في المستقبل دون أن يرتجف جسده النحيل؟
إن دماء الأبرياء التي خضبت تراب الخرطوم ودارفور، والجزيرة، وكردفان، ستظل تطارد كل من صمم، وصدر، ووجه هذه الآلات نحو صدور العزل. ستبقى سماء السودان شاهدة على خيانة التكنولوجيا للإنسان وعلى زمن صار فيه طيران “الدرون” مرادفاً لعزرائيل يحصد الأرواح بلا حساب ويترك خلفه وطناً ينزف بصمت مرير وندوباً في الذاكرة لن تبرأ ولو مرت عليها قرون.
يا وجع الأرض… ويا يتم السماء… السودان يبكي ولا مجيب إلا صدى الانفجارات.



