
بينما كانت الأنظار تتجه صوب جبهات القتال التقليدية في كردفان استيقظت ولاية النيل الأزرق على واقع ميداني جديد وضع “عروس النيل الازرق” الدمازين في فوهة المدفع انتشار قوات الدعم السريع في محليتي الكرمك وباو، ووصول طلائعها إلى نقاط تبعد أقل من 100 كيلومتر عن رئاسة الولاية وقيادة الفرقة الرابعة مشاة ليس مجرد مناورة عسكرية عابرة بل هو تحول استراتيجي يهدد بخلط أوراق السودان بالكامل.
طوق “الكرمك وبـاو”: خنق المركز من الأطراف
يمثل التواجد المكثف للدعم السريع في “الكرمك” و”باو” محاولة واضحة لفرض حصار جغرافي على مدينة الدمازين فهذه المناطق ليست مجرد مساحات شاسعة بل هي مناطق ذات طبيعة جغرافية وعرة وتاريخ ممتد من النزاعات المسلحة مما يجعل السيطرة عليها مفتاحاً للتحكم في المداخل الجنوبية والجنوبية الغربية للولاية.
الوصول إلى مسافة 100 كيلومتر من رئاسة الولاية يعني أن الدمازين بمركزها الإداري وثقلها العسكري المتمثل في الفرقة الرابعة مشاة باتت ضمن المدى العملياتي المباشر وهو ما يضع الجيش السوداني أمام اختبار حقيقي لحماية تأمين العمق الاستراتيجي للبلاد.
لماذا النيل الأزرق؟… الأهمية الجيوسياسية
تتحرك قوات الدعم السريع في هذا المحور مدفوعة بعدة أهداف استراتيجية:
خزان الرصيرص: السيطرة على ولاية النيل الأزرق تعني التحكم في واحد من أهم مصادر الطاقة والري في السودان مما يمنح الطرف المسيطر ورقة ضغط اقتصادية هائلة.
قطع طرق الإمداد: تهدف هذه التحركات إلى عزل الولاية عن تواصلها مع العمق الشرقي والشمالي، وشل قدرة الجيش على المناورة في جبهات متعددة.
الحدود الدولية: التواجد في الكرمك يضع الدعم السريع على تماس مباشر مع الحدود الإثيوبية مما قد يفتح الباب أمام تعقيدات دبلوماسية أو محاولات لتأمين خطوط إمداد عابرة للحدود.
تحديات الجيش السوداني ورهان “الفرقة الرابعة”
تعتبر الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين من أعرق وحدات الجيش السوداني وتمتلك خبرة طويلة في حرب العصابات والمناطق الجبلية. إلا أن التحدي الحالي يكمن في “حرب المدن” و”الالتفاف السريع” الذي تعتمده قوات الدعم السريع.
إن بقاء القوات المهاجمة على بعد أقل من 100 كيلومتر يفرض على قيادة الجيش ضرورة الانتقال من حالة الدفاع الساكن إلى العمليات الاستباقية لمنع تحول الدمازين إلى ساحة معركة مفتوحة قد تؤدي إلى موجات نزوح بشرية كارثية خاصة في ظل وجود مخيمات ضخمة للنازحين أصلاً في المنطقة.
السيناريوهات القادمة
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هل نحن أمام مواجهة شاملة في النيل الأزرق؟
السيناريو الأول: نجاح الجيش في تنفيذ هجمات مضادة لاسترداد نقاط التمركز في باو والكرمك وتأمين حزام الدمازين.
السيناريو الثاني: استمرار التمدد الصامت للدعم السريع لفرض حصار طويل الأمد على الولاية لانتزاع تنازلات في مسارات التفاوض.
النيل الأزرق ليست مجرد ولاية حدودية بل هي صمام أمان للأمن القومي السوداني. إن اقتراب نيران الحرب من الدمازين ينذر بتوسع رقعة الصراع إلى مناطق ظلت لفترة طويلة بعيدة عن الانفجار الشامل مما يتطلب رؤية عسكرية وسياسية عاجلة قبل أن يبتلع “الخلاء” ما تبقى من استقرار في “النيل”.



