مجزرة مستشفى الضعين: حين تتساوى البنادق في قتل المدنيين

عبدالعزيز ابوعاقلة
عبدالعزيز ابوعاقلة في مستشفى الضعين التعليمي بشرق دارفور، لم يكن هناك التباس. لم يكن هناك “هدف عسكري محتمل” ولا “اشتباه”. كان هناك مدنيون فقط ومرضي اغلبهم من النساء والأطفال . ومع ذلك، سقط القصف.
153 مدنياً بين قتيل وجريح. 64 قتيلاً، بينهم 13 طفلاً و7 نساء.
هذه ليست مأساة عابرة، بل دليل إدانة.
الاتهام هنا واضح: الجيش السوداني قصف مستشفى. لكن الحقيقة الأوسع والأكثر إيلاماً أن هذه الجريمة لا تقف في فراغ، بل تأتي ضمن سياق حربٍ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، حربٍ لم يعد فيها المدنيون مجرد ضحايا عرضيين، بل أصبحوا الهدف الأسهل لكلا الطرفين .
ما الذي جرى في الضعين ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلة. من قبل، شهدت مدن مثل الخرطوم وأم درمان والنهود ونيالا والفاشر ضربات طالت أحياء سكنية، وأسواقاً، ومنشآت خدمية وتعليمية في كل مرة، تتكرر الرواية: “أضرار جانبية”، “أخطاء غير مقصودة” للحرب و“ظروف معقدة”. لكن الأرقام لا تكذب، والقبور لا تُجادل.
كيف يمكن لجيشٍ وطني أن يقصف مستشفى؟ وكيف يمكن لقوة تدّعي تمثيل الشعب أن تحتل أحياءه وتحوّلها إلى ساحات قتال؟ بين الطرفين، تضيع الحقيقة البسيطة: أن المدنيين يُقتلون… بلا حماية، وبلا حساب.ودوما يدفعون ثمنا لحرب ما اختاروها .
كتبت حنة آرنت أن “العنف يمكن أن يدمر السلطة، لكنه لا يستطيع أن يخلقها”. وفي السودان، لم يعد العنف حتى أداة للسيطرة، بل أصبح دليلاً على انهيارها. لأن السلطة التي لا تستطيع حماية مستشفى، أو تمتنع عن قصفه، هي سلطة فقدت معناها.
داخل مستشفى الضعين، لم يكن هناك سوى ما تبقى من إنسانية هذا البلد: طبيب يعمل بلا توقف، ممرضة تقاتل لإنقاذ طفل، وأم تتمسك بأمل هش. ثم جاءت الضربة، فمحَت كل ذلك في لحظة. لا لأنهم طرف في الحرب، بل لأنهم خارجها تماماً.
يقول جان جاك روسو إن “القوة لا تصنع الحق”. لكن ما يحدث في السودان يتجاوز ذلك: القوة لا تكتفي بإنكار الحق، بل تسحقه. لأن قصف مستشفى لا يعني فقط قتل من فيه، بل قتل فكرة أن هناك قانوناً أو خطاً أحمر يمكن أن يُحترم.
والأخطر من كل ذلك، أن الطرفين – الجيش وقوات الدعم السريع – يتبادلان الاتهامات، بينما يستمر النزيف. كل طرف يقدّم نفسه كضحية، بينما الواقع يقول إن المدني هو الضحية الوحيدة الثابتة. في هذه الحرب، لا يوجد “بريء” من الدم إذا استمر القتل بلا محاسبة.
كيف تتحول السلطة إلى أداة لإدارة الموت كما كتب ميشيل فوكو وفي السودان، لم تعد هذه فكرة نظرية، بل واقع يومي: قصف، حصار، تجويع، وتدمير ممنهج لما تبقى من بنية الحياة. المستشفيات تُقصف، الأسواق تُنهب، والأحياء تتحول إلى أنقاض.
السؤال لم يعد: من بدأ؟
السؤال الآن: من يوقف هذا الانحدار الأخلاقي؟
لأن ما نراه ليس فقط حرباً، بل انهيار كامل لفكرة المسؤولية. لا محاسبة، لا تحقيقات شفافة، لا عدالة. فقط بيانات، وإنكار، واستمرار في القتل.
فالحياد في وجه الظلم هو انحياز للظالم . في السودان اليوم، الصمت ليس حياداً، بل جزء من المشكلة.
في الضعين، لم يُقصف مستشفى فقط…
بل سقط آخر ادعاء بأن هذه الحرب لها قواعد.
وحين تتساوى البنادق في قتل المدنيين،
فإن الفرق بين الأطراف لا يُقاس بالشعارات…
بل بعدد القبور التي يتركونها خلفهم.
في الضعين، لم يعد السؤال من قصف المستشفى… بل لماذا لم يعد ذلك صادماً بما يكفي ليتوقف. حين تُقصف المستشفيات ويُقتل الأطفال على أسرّة العلاج، ولا يُحاكم أحد، فإننا لا نكون أمام حرب فقط، بل أمام سقوطٍ أخلاقيٍ مكتمل، حيث تتحول الدولة إلى خطر على مواطنيها، ويتحول الصمت إلى شريكٍ في الجريمة. عند هذه النقطة، لا يعود الدم مجرد نتيجة للحرب… بل يصبح دليلاً على أن كل شيء قد انهار: القانون، والضمير، وما تبقى من معنى الإنسان . Abdelaziz Abuaglah [email protected]



