سيكولوجيا “الهروب إلى الخارج” لماذا يفضل العقل السياسي السوداني “المؤامرة” على نقد الذات؟

محمد صالح محمد
لطالما سكنت “الآخر” في المخيلة السياسية السودانية بصفة “الشيطان” الذي يحيك الدسائس في الغرف المظلمة.
ومنذ فجر الاستقلال وحتى اللحظة الراهنة التي يمر بها السودان بواحد من أعقد منعطفاته الوجودية يبرز سؤال جوهري ومؤلم لماذا يسهل علينا دائماً رجم الجيران والبعيدين بالحجارة بينما نتجاهل الشروخ العميقة في جدران بيتنا الداخلي؟
من اتهام القاهرة بالتدخل إلى شيطنة أبوظبي وصولاً إلى التراشق الأخير مع أديس أبابا؛ يبدو أن البوصلة السودانية لا تشير أبداً إلى الخرطوم عندما يتعلق الأمر بتحديد المسؤولية عن الفشل.
فخ “الضحية” الهروب من استحقاق النقد …
تعد “نظرية المؤامرة” في الفضاء السياسي السوداني بمثابة “مخدر موضعي” للوعي الجمعي.
و إن الاعتراف بالهزيمة أو الفشل السياسي يتطلب شجاعة أخلاقية لمراجعة أسس الدولة وفشل النخب وهشاشة العقد الاجتماعي.
ولأن هذا المسار مكلف ومؤلم يلجأ العقل السياسي إلى الحل الأسهل تصدير الأزمة.
عندما نتهم إثيوبيا أو الإمارات أو مصر نحن في الحقيقة نمارس عملية “إسقاط” (Projection) نفسية؛ حيث يتم إسقاط العجز الداخلي على فاعل خارجي مما يمنحنا شعوراً زائفاً بالبراءة والوحدة الوطنية ضد “العدو المتخيّل”.
ثنائية “الخارج المتآمر” و”الداخل الطاهر” …
تاريخياً روجت الأنظمة الشمولية في السودان لثقافة “الاستهداف الخارجي” لتبرير إخفاقاتها التنموية والسياسية.
هذا الإرث خلق “جينات سياسية” ترى في أي حراك أو صراع داخلي مجرد أصابع خارجية تحرك الدمى.
إذا فشلنا في إدارة التنوع العرقي فالسبب “أصابع صهيونية”.
إذا انهار الاقتصاد فالسبب “حصار إمبريالي”.
إذا اشتعلت حرب أهلية فالسبب “أطماع دول الجوار”.
هذه الرؤية تختزل الإنسان السوداني وتجرده من إرادته (Agency) وكأننا مجرد رقعة شطرنج لا تملك من أمرها شيئاً.
وهي إهانة للذات الوطنية قبل أن تكون اتهاماً للخارج.
أزمة “النخب” وغياب المشروع الوطني …
المشكلة الحقيقية تكمن في أن “المؤامرة” هي السلاح الأخير لنخبة سياسية وعسكرية فشلت عبر عقود في إنتاج مشروع وطني جامع.
إن التراشق مع دول الجوار ليس مجرد موقف دبلماسي بل هو محاولة لصناعة “شرعية زائفة” عبر الحشد القومي ضد عدو خارجي.
بينما تنشغل الآلة الإعلامية بتفكيك “مؤامرات الجيران” تظل الأسئلة الكبرى بلا إجابات.
لماذا فشلنا في بناء جيش مهني واحد؟
لماذا عجزنا عن صياغة دستور يحترم المواطنة؟
لماذا نترك ثغراتنا مفتوحة ليدخل منها أي طامع ثم نشتكي من “الدخول”؟
تشريح العلاقات مع الجيران مصالح لا مؤامرات …
في العلوم السياسية لا توجد “مؤامرات” بقدر ما توجد “مصالح”.
الدول (سواء مصر، الإمارات، أو إثيوبيا) تتحرك وفقاً لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
الضعف السوداني هو الذي أغرى الجميع بالتدخل.
والفراغ السيادي هو الذي استدعى اللاعبين الخارجيين.
بدلاً من لوم إثيوبيا على مواقفها كان الأجدر بنا أن نسأل لماذا لا نملك جبهة داخلية موحدة تجعل من التدخل الخارجي أمراً مستحيلاً أو مكلفاً؟
المواجهة المريرة …
إن طريق الخلاص لا يبدأ من المطارات الدولية أو أروقة الأمم المتحدة شاكين “تآمر الجيران” بل يبدأ من “المرايا”.
الاعتراف بأن المشكلة “فينا” ليس هزيمة بل هو أول خطوات النصر على الذات.
نحن بحاجة إلى شجاعة الاعتراف بأننا كسودانيين من سمحنا بتمزيق النسيج الاجتماعي.
ونحن من قدمنا مصالح القبيلة والحزب على الوطن.
لقد حان الوقت لدفن “نظرية المؤامرة” وبدء عملية “جراحة سياسية” وطنية شاملة.
لأن العدو الذي يسكن في دواخلنا من فرقة وتشرذم هو أخطر بكثير من أي جار أو دولة إقليمية.



