مقالات وآراء

تصريح ترامب المهين .. يضع المبادرة السعودية–الأمريكية على المحك

زكريا علي عبدالرسول

لم يكن التصريح الذي صدر عن دونالد ترامب تجاه محمد بن سلمان حدثاً معزولاً في سياق الخطاب السياسي، بل جاء كاشفاً لطبيعة العلاقة التي قامت عليها المبادرة السعودية–الأمريكية الخاصة بالأزمة السودانية، ومؤشراً واضحاً على هشاشة الأساس الذي استندت إليه منذ البداية.

المبادرة، في جوهرها، لم تكن نتاج تفاعل داخلي سوداني بقدر ما كانت انعكاساً لتفاهمات إقليمية ودولية حاولت إعادة ترتيب المشهد وفق حسابات النفوذ والمصالح. هذا الطابع الخارجي منحها زخماً إعلامياً وسياسياً في بداياتها، لكنه في المقابل حرمها من أهم عناصر الاستمرار، وهو الارتكاز على قاعدة داخلية صلبة قادرة على حماية مسارها من التقلبات.
في هذا الإطار، يكتسب تصريح دونالد ترامب دلالة تتجاوز البعد الشخصي، إذ يعكس مستوى التماسك داخل التحالف الذي تبنى المبادرة. فعندما تظهر التباينات بين أطرافها الرئيسيين بهذا الشكل العلني، فإن ذلك يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرتها على الاستمرار كمسار سياسي متماسك، ويجعلها عرضة للتجميد أو التآكل التدريجي.

الأمر لا يتعلق فقط بطبيعة التصريح، بل بالسياق الأوسع الذي جاء فيه. فالعالم يشهد تحولات متسارعة في أولوياته، حيث تتقدم ملفات أكثر إلحاحاً في الشرق الأوسط، وتتراجع قضايا أخرى إلى الهامش. وفي ظل هذا التغير، يصبح من الصعب على أي مبادرة لا تستند إلى مصالح استراتيجية مباشرة أن تحافظ على زخمها، خاصة إذا كانت تعاني أصلاً من ضعف داخلي.

كما أن ربط مصير المبادرة بعلاقات سياسية بين شخصيات نافذة، مثل دونالد ترامب ومحمد بن سلمان، جعلها أكثر عرضة للتأثر بالتقلبات، وأقل قدرة على الصمود كمشروع مؤسسي طويل الأمد. وهذا ما يفسر حالة الجمود التي دخلتها دون إعلان رسمي عن فشلها، إذ تراجعت فعلياً من واجهة الاهتمام، وفقدت حضورها كخيار مطروح بجدية.
في المحصلة، يمكن القول إن تصريح دونالد ترامب لم يُسقط المبادرة بقدر ما وضعها أمام اختبار حقيقي كشف حدودها. فقد أظهر أن أي مسار لا ينبع من الداخل، ولا يحظى بإجماع وطني، يظل هشاً مهما حظي بدعم خارجي. كما أكد أن الحلول المرتبطة بتوازنات متغيرة تظل قابلة للتراجع في أي لحظة، خاصة عندما تتبدل أولويات الفاعلين الدوليين.

وبينما تستمر الأزمة السودانية في تعقيداتها، يبقى الدرس الأبرز أن الاستقرار لا يمكن أن يُستورد، وأن المبادرات التي لا تعكس إرادة داخلية واضحة تظل مشاريع مؤقتة، قابلة للتعثر عند أول اختبار سياسي جاد.
،،، سروري مع خالص تحياتي ،،،

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. (( يبقى الدرس الأبرز أن الاستقرار لا يمكن أن يُستورد )) اصدق عبارة تكتب في هذا المنبر .
    نعم يبقى الدرس الأبرز أن الاستقرار لا يمكن أن يُستورد قل هذا لاهل قحت الذين صار تعويلهم على الخارج اكبر بكثير من تعويلهم على الداخل بعد المواقف الرمادية من مجرمي الدعم الصريع وما صنعوا بمواطن السودان الاعزل في كافة بقاع السودان هذه الموقف الرمادية افقدت قحت كامل سندها الشعبي الداخلي وصار كامل تعويلها على العنصر الخارجي بدليل ان قرار الادارة الامريكية الاخير الخاص بجماعة الاخوان في السودان وجد تهويل عظيم منهم ونسوا ان قرارات الادارة الامريكية السابقة قد اطالت امد نظام البشير واضرت بالمواطن والوطن لعشرات السنين وما زالت تضر وسوف تطيل امد نظام البرهان هذه القرارات مدفوعة التكاليف من الامارات وبولسها الشوم .
    لا يوجد حل خارجي لازمة السودان وامريكا التي يعول عليها اهل قحت هي الان في ورطة حقيقية بسبب حربها على ايران بعد ان غرر المجرم نتنياهو بالمتهور ترمب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..