مقالات وآراء

ملتقى رفاعة الكبرى بين التسييس والاستغلال،،،

حسب الرسول العوض إبراهيم

في لحظة سودانية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها ظروف الحرب مع انقسام اجتماعي حاد وكراهية  بلغت ذروتها، تعود الأسئلة القديمة حول دور القبيلة وحدود حضورها في المجال العام. وبينما يرفع البعض شعارات التعارف والتماسك استناداً لقوله تعالى: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”، تبرز في الواقع ممارسات تدفع بهذا التنوع نحو مسارات مقلقة.

المجتمع السوداني بطبيعته مجتمع قبلي وعشائري غير أن هذا التكوين لم يكن في يوم من الأيام عائقاً أمام التعايش بل شكّل في كثير من المراحل والأوقات أساساً للاستقرار الاجتماعي. ومع بروز الحركة الحزبية حدث تحول مهم إذ نجحت الأحزاب في استيعاب هذا التنوع داخل أطر تنظيمية جامعة مما ساهم في تراجع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وانحسار النعرات وأوجد قدراً من الوحدة الوطنية، وهذا يعد من أكبر المكاسب الوطنية التي حققتها الأحزاب السودانية التقليدية. على العكس من ذلك تماماً  تعرض هذا المسار لانتكاسة حادة بعد أن جاءت الحركة الإسلامية إلى الحكم عبر انقلابها الشهير في يونيو 1989 والتي انتهجت سياسات أعادت إحياء النزعات القبلية بصورة ممنهجة ليس بوصفها مكوناً اجتماعياً طبيعياً بل كأداة للسيطرة السياسية. فقد أُنشئت إدارات أهلية موازية ودُعمت قيادات موالية وتمت إعادة تشكيل موازين القوة داخل القبائل بما يخدم مشروع التمكين الذي انتهجته تلك الحركة، الأمر الذي قاد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإشعال النزاعات وكان من أبرز تجلياته ما حدث في دارفور منذ العام 2004 والذي بدوره شكل تربة خصبة للحرب التي تدور الآن.

ومع استمرار هذه السياسات لم تتراجع النزعة القبلية بل جرى توظيفها في سياقات جديدة خاصة حيث تصاعدت محاولات الحشد على أساس قبلي وهذا يعد بمثابة أحد عناصر استمرار الحرب  بما ينذر بتحول الصراع إلى مواجهات ذات طابع قبلي واجتماعي واسع.

في هذا السياق يبرز ملتقى رفاعة الكبرى المزمع انعقاده في منطقة التكينة بولاية الجزيرة كواحد من الفعاليات التي تستدعي التوقف عندها. فمع كامل التقدير لأهلنا في قبيلة رفاعة والتحية لأهلنا في التكينة على صمودهم الباسل أمام قوات الدعم السريع تظل هناك أسئلة لا بد من معرفة الإجابة عليها: من يقف خلف هذا الملتقى؟ وما هي أهدافه الحقيقية؟

تشير كل المعطيات إلى أن مثل هذه المبادرات لا تنفصل عن محاولات قوى سياسية وعلى رأسها الحركة الإسلامية “الكيزان” لإعادة تنظيم حضورها عبر البوابة القبلية التي كثيراً ما استخدمتها من قبل مستفيدة من تجارب سابقة في توظيف الإدارات الأهلية والكيانات الاجتماعية الأخرى، وقد برزت في هذا الإطار أجسام مثل “تنسيقية رفاعة الكبرى” التي حملت مؤشرات واضحة على هذا التوجه.

الخطاب الذي استخدم للتحشيد لهذا الملتقى كان يعتمد على إثارة الشعور بالغبن والتهميش والترويج لغياب التمثيل مع الإيحاء بوجود مكاسب سياسية محتملة كالمناصب والنفوذ، وهو ما يفتح الباب أمام فئات انتهازية للدخول في دائرة الحشد بحثاً عن مصالح ضيقة. غير أن التجربة تشير إلى أن مثل هذه الوعود في أفضل الأحوال، لا تتجاوز مناصب رمزية لا تعكس مشاركة حقيقية في صناعة القرار.

إن أخطر ما في هذا النهج أنه ينقل معيار الوصول إلى السلطة من الكفاءة إلى الانتماء القبلي، وهو ما أضعف مؤسسات الدولة وجعلها أكثر هشاشة وعرضة للاختراق. كما أسهم في خلق انقسامات داخل القبيلة نفسها عبر تشكيل كيانات متنافسة وخطابات متضادة، وصلت في بعض الأحيان إلى تبادل الاتهامات والتشكيك في المواقف.

قبيلة رفاعة من أكبر القبائل في السودان وأكثرها تضرراً من الحركة الإسلامية حيث عملت على تقزيم دورها. في الفترة الأخيرة عمل جزء من أعضاء هذه الحركة على تشويه سمعتها، فقد دبجوا المقالات واتهموها بأنها هي من تدعم التمرد وهي من قتلت وهي من دمرت إلى آخره من اتهامات والسبب في ذلك أن بعض مناطق القبيلة كانت عصية على التدجين السياسي، وجزء من أبناء القبيلة الذين ينتمون للحركة الإسلامية أرادوا اختطافها وتجييرها لصالح مشروع الحركة، ويعد ملتقى رفاعة المزمع انعقاده في التكينة أحد أوجه هذا العمل.

وفي خضم هذا المشهد تبدو بعض الأطراف وكأنها تسعى لاستخدام القبيلة كوسيلة للهيمنة على مناطق بعينها، خاصة في وسط السودان بما يخدم أهدافاً سياسية تتجاوز الإطار الاجتماعي.

غير أن الطريق إلى قوة القبيلة لا يمر عبر الانخراط في الصراعات السياسية، بل عبر تعزيز دورها الاجتماعي في دعم الاستقرار ومعالجة قضايا الناس. ففي ظل الحرب تبرز أولويات ملحة تتعلق بالنزوح واللجوء والصحة والتعليم والخدمات الأساسية وهي مجالات أولى بالاهتمام من الانشغال بفعاليات سوف تُستغل لأغراض سياسية.

كما أن توجيه الأموال نحو دعم المجتمعات المحلية وبناء المؤسسات الخدمية يظل أكثر جدوى من انفاقها على تجمعات قد تعمق الاستقطاب بدلاً من أن تعالجه.

يجب على زعماء القبائل العمل على رتق النسيج الاجتماعي الذي تمزق بسبب هذه الحرب، والعمل على تقليل خطاب الكراهية بدلاً من البحث عن غنائم وسط ركامها ونيرانها.

في المحصلة تبقى القبيلة مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع السوداني لكن الحفاظ على دورها الإيجابي يقتضي تحييدها عن الصراعات السياسة وإعادتها إلى وظيفتها الأساسية كوعاء للتكافل والتماسك لا كأداة للصراع  والتنافس.

‫2 تعليقات

  1. لقد وضع الأخ حسب الرسول مبضع الجراج على بيت الداء (التعصب القبلي)، وإسهامه في تفتيت الوحدة الوطنية.. سرطان التعصب القبلي والولوج به إلى عالم السياسة بغرض تحقيق مآرب بعض الانتهازيين الذي يعلون من عاطفة القبيلة كوسيلة للتكسب والحصول عللى الوظائف هو الذي قصم ظهر هذا البلد الطيب.. آن الآون أن لمحاربة الكيزان الذين لا يتورعون من ركوب ما يدمر الوطن في سبيل تحقيق طموحاتهم المتقزمة.. لا للقبلية ونعم لسودان الوحدة الوطنية .. يبقى النيل أبونا والأصل سوداني.

  2. يا زول هوي القبائل دي كلها مسويه ليها حركات مسلحة كمان بس لما جات على الرفاعة قعدت تقول تسييس وداير تدخلها في الكيزان عشان تشوه سمعتها وتجغمسها؟ يا زول هوي يا إما تنتهي القبلية من دارفور لشمال السودان لشرق السودان يا اما نحن زينا وزي غيرنا نطالب بحقوقنا ونحمي ديارنا.
    أستهدفتنا المليشيا في ديارنا قتلا ونهبا وتنكيلا وتدمير لمقدارت عيشنا فدافعنا عنن انفسنا بأنفسنا وقدمنا الاف الأبطال دفاعا عن الأرض والعرض
    خلو حركاتكم دي كان عندكم كلام وأقيفوا ضد المليشيا والمرتزقة العابرة للحدود العازمة على تدمير السودان واهله وتشريدهم ده شي شفناهو وعيشناه وأكتوينا بناره ولم يhttps://www.microsoft.com/ar/microsoft-365/outlook/email-and-calendar-software-microsoft-outlook?deeplink=%2Fmail%2F&sdf=0&market=erقله لنا احد. اقيفوا ضد هذا المشروع وبعدين تعالوا نقعد في الواطة ونسوي مشكلة القبلية دي في السودان كلو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..