مقالات وآراء

حين ينهض صوت المعلم من بين الركام: تأييدٌ واجبٌ لدعوة الإضراب

الحمد لله الذي يُظهر الحق ولو بعد حين، ويجعل الكلمة الصادقة تخرج من بين ركام الصمت لتوقظ الضمائر وتعيد ترتيب المشهد.
لقد جاء مقال الأستاذ الدكتور محمد أحمد بخيت بعنوان: “حين يصبح الصمت خيانة: الإضراب ليس خياراً… بل ضرورة”، كجرس إنذارٍ متأخرٍ – نعم – ولكنه مع ذلك جرسٌ مهم، بل وضروري، في لحظةٍ كادت أن تُدفن فيها حقوق المعلمين تحت ركام التسويف والمماطلة، وتحت ضجيج الشعارات الفارغة.
نقولها بوضوح: إن ما كتبه الدكتور بخيت يستحق الإشادة، لا مجاملةً، بل تقديراً لموقفٍ كنا نرجوه، وظننا – أو كدنا – أنه قد غاب أو تراجع تحت ظلال نقابةٍ طالما خيّبت آمال المعلمين، ومالأت السلطة بدل أن تقف في وجهها.
لقد نطق الرجل بالحق، والحق أحق أن يُتّبع.
غير أن الإشادة – على أهميتها – لا تعني تعليق الأسئلة المشروعة.
فنحن، وقد عانينا طويلاً من ازدواجية المواقف، ومن استخدام القضايا العادلة كأدوات صراعٍ داخل أروقة السلطة، نرجو – بل نُلحّ – أن تكون هذه الدعوة أصيلةً صادقة، لا تكتيكاً مرحلياً، ولا كيداً موجهاً ضد فصيلٍ بعينه داخل بنية نقابة السلطة.
إن الإضراب الذي دعا إليه الدكتور ليس شعاراً يُرفع، بل موقفٌ يُدفع ثمنه، وهو – كما قال – ليس ترفاً نقابياً، بل ضرورةٌ حين تُغلق الأبواب.
وهنا، تبرز الحقيقة التي لا تقبل الالتفاف: لقد سبقت لجنة المعلمين السودانيين الجميع إلى هذا الموقف، ودفعت أثمانه من استقرار أعضائها وأرزاقهم، بل ومن حريتهم أحياناً، (كاتب المقال مثالا حيث انزل الى المعاش قبل اربعة سنوات).
وعليه، فإن أي دعوةٍ اليوم لتبني الإضراب يجب ألا تكون التفافاً على هذا التاريخ النضالي، ولا محاولةً لسرقة المبادرة، بل ينبغي أن تكون امتداداً له وتعزيزاً لمساره.
إن اللحظة الراهنة لا تحتمل التنافس على قيادة المعركة، بل تتطلب وحدة الصف، ووضوح الهدف، وصدق النية.
فالمعلم – كما وصفه الدكتور – لم يعد يحتمل، بل تجاوزت أزمته حدود الاحتمال.
راتبٌ يتبخر، وواقعٌ يزداد قسوة، وسلطةٌ لا ترى في تأخير الحقوق إلا رقماً في جدول إداري.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح الإضراب ليس فقط حقاً مشروعاً، بل واجباً أخلاقياً.
لكننا، في ذات الوقت، نؤكد على ما ختم به الدكتور رؤاه: أن يكون الإضراب منظماً، واعياً، مسؤولاً، لا ينفلت إلى الفوضى، ولا يُستغل لتصفية الحسابات، بل يظل موجهاً نحو هدفه النبيل: استعادة كرامة المعلم، وإنقاذ العملية التعليمية من الانهيار.
إننا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول هذه الدعوة إلى فعلٍ حقيقي يُعيد للنقابة دورها الطبيعي كمدافعٍ عن حقوق أعضائها، وإما أن تُضاف إلى سجل طويل من الكلمات التي قيلت… ثم ذهبت أدراج الرياح.
وختاماً، نقول للدكتور محمد بخيت: لقد أحسنت حين تكلمت، فامضِ فيما بدأت، واثبّت على موقفك، فالمعلمون لا يحتاجون إلى من يكتب عنهم فحسب، بل إلى من يقف معهم حتى النهاية.
ونقول للنقابة: إن لم تتحركوا اليوم، فأنتم لا تؤجلون المعركة… بل تخسرونها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..