استهداف دولة اسلامية اخرى بذريعة “الارهاب”

مجلة “صالون” الامريكية: محمد علي صالح: استهداف دولة اسلامية اخرى بذريعة “الارهاب”
بصفتي مراسلاً صحفياً عمل في واشنطن لفترة طويلة قادماً من العالم الإسلامي، ينتابني شعورٌ رهيبٌ بـ “تكرار المشهد” (Déjà-vu)
بقلم محمد علي صالح
بينما تقرع طبول الحرب ضد إيران في واشنطن، ينتابني ذات الشعور بالحزن والغضب الذي انتابني عندما استُهدفت دولة إسلامية أخرى في إطار “الحرب على الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة.
بعد أسبوعين من اليوم، ستحل الذكرى الثالثة والعشرون للغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق؛ وهو حدثٌ يثير في نفسي شعوراً عميقاً عن “ديجافو” (مشهد مكرر).
في ليلة 19 مارس 2003، كنت أجلس في منزلي أتابع الأخبار — مشدود الأعصاب، حزيناً، وغاضباً.
كنت أمسك بقلمٍ وورقة، وأطلب من أطفالي التزام الهدوء بينما كانوا يتنقلون بين اللعب ومراقبة الشاشة.
كنت قد تخليت عن تناول العشاء معهم ومع زوجتي، ولم يكن قد حان بعد موعد نوم الصغار.
كغيره من التلفزيونات الأمريكية، كان تلفزيون “سي ان ان” قد نصب كاميرات على سطوح فندقي “المنصور” و”فلسطين” في بغداد.
في البداية، كان الشعور غريباً وموحشاً.
كانت الكاميرات تتلصص على مدينةٍ خفتت أضواؤها، وغلفها الصمت.
في تمام الساعة 8:35 مساءً بتوقيت واشنطن (4:35 صباحاً بتوقيت بغداد)، ارتفع فجأة صوت أذان الفجر من قلب الظلام الذي كان يغطي بغداد.
من المساجد الكثيرة المنتشرة على ضفاف نهر دجلة، صدحت نغمات الآذان المتداخلةٍ من أصوات مؤذن هنا، ومؤذن هناك.
حتى في تلك اللحظة التي كان فيها العالم بأسره يترقب بداية عملية “شوك اند اوو” (صدمةوتخويف)، كانت تلك النغمات شجية ومؤثرة.
نزلت دموع على خدى من حيث لا ادرى.
لكنى استطعت ان اخفيها عن اولادى وهم يشاهدون احيانا، ويلعبون احيانا، أمام جهاز التلفزيون.
وظهر على التلفزيون مذيعان من “سى ان ان” يتحدثان عن اصوات الآذان تلك.
في نيويورك، وولف بولتزر.
وفي بغداد ارون بروان.
قال بولتزر: “لا اسمع صفارات الإنذار من الغارات الجوية.
لكنى اسمع اصوات اذان صلاة الفجر.
انها، بالنسبة للمسلمين، اول صلاة في اليوم.
دعنا نصمت لثوان، لنسمع هذه الاصوات.”
براون (بعد صمت قصير): “أتأمل في بغداد من موقعى هذا هنا.
ويغمرني احساس غريب.
لا أشعر بوجود حرب، لكني اعرف انها ستبدأ في أي وقت.
ولا اشاهد الذعر وسط العراقيين الذين اراهم الأن، لكنى اعرف ان الذعر سيصيبهم في اى وقت.”
بعد ساعة تقريباً من هذا الحديث المتبادل، بدأت الضربات الجوية.
ومن بغداد ظهر براون في نصف شاشة التلفزيون، بينما صور الضربات في النصف الثاني من الشاشة.
وقال براون: “هذا شئ سيريالى.
لا اعرف كيف يفكر شخص في بغداد في هذه اللحظة.
هل يتخيل ما يحدث؟
هل يتخيل ما سيحدث؟”
بعد ساعة تقريبا من بداية الضربات، ظهر الرئيس جورج بوش على الهواء مباشرة.
وقسمالتلفزيون الشاشة الى نصفين: نصف فيه بوش، ونصف فيه الضربات في بغداد.
قبل ذلك بساعة، انتهت مهلة 48 ساعة التى كان بوش قدمها للرئيس العراقى صدام حسين ليغادر العراق.
وأعلن بوش : “في هذه الساعة، تخوض القوات الأمريكية وقوات التحالف، المراحل الأولية من العمليات العسكرية الرامية إلى نزع سلاح العراق، وتحرير شعبه، وحماية العالم من خطر جسيم.”
ظللت انا مستيقظاً طول الليل حتى الصباح.
ذهب أطفالي الى غرفهم لينامون.
وبقيت زوجتى مستيقظة لتشاهد الأحداث في صمت، ثم غادرت الى غرفة النوم.
بالنسبة لتغطية الاحداث لصحيفة “الشرق الأوسط” فى لندن، كان الوقت قد تأخر جداً لارسال تقارير للنشر في عدد اليوم التالى في تلك الايام، لم تكن وسائل الاتصال متطورة مثلما هى اليوم.
لم تكن الصحيفة تطبع إلكترونيا.
وكنا لا نزال نعتمد على التلفون لإجراء الاتصالات الروتينية.
في الصباح الباكر، ذهبت الى مكتب “الشرق الاوسط”، في مبنى الصحافة الوطنية في واشنطن.
وهناك شاهدت مقتطفات من خطاب التحدي الذي ألقاه الرئيس العراقى صدام حسين.
والذي أعلن فيه: “ارتكب بوش الصغير، المجرم والمتهور، بمعاونة أعوانه، هذه الجريمة التي طالما هدد بارتكابها ضد العراق، وضد الإنسانية”.
عادةً، كل صباح، يتصل بى رئيسي في رئاسة “الشرق الأوسط” في لندن، بعد نهاية الاجتماع اليومي هنا، حيث يرسمون خطة التغطية الإخبارية لذلك اليوم.
لحظة رفعت سماعة التلفون، وبدون تفكير مسبق، انخرطتُ في بكاءٍ مريرٍ وصاخب، وأنا أردد عبارة: “التتار دخلوا بغداد، التتار دخلوا بغداد.
وهنا يجدر بي أن أوضح للقارى الامريكى أن سقوط بغداد في قبضة المغول (أو التتار)، فى القرن الثالث عشر، يظل يشكل كارثة كبيرة ، تظل معفورةً بعمقٍ في الوجدان العربي والإسلامي باعتبارها هزيمةً تاريخيةً.
لم يكن رئيسي أقل حزناً مني.
لكن كتابة المواد الإخبارية لم تكن تقبل الانتظار.
لهذا بدأنا في خطة تغطية الغزو.
قبل الغزو، ولشهور طويلة، غطيت المؤتمرات الصحفية في كلٍ من البيت الأبيض ووزارة الخارجية.
وخطت مواجهات شخصية مع كولين باول، وزير الخارجية.
وكونداليزا رايس، مستشارة الأمن الوطنى,كان باول عاد مؤخرا من نيويورك، بعد ان القى الخطاب التاريخى الكاذب أمام مجلس الأمن.
كان رفع زجاجةً صغيرةً فيها مسحوق أبيض.
وقال انها دليل على الخطر المزعوم الذي الأسلحة البيولوجية والكيماوية التى يملكها الرئيس العراقى صدام حسين.
وأصرّ قائلاً: “ايها الزملاء: كل شئ اقوله اليوم مدعومٌ بمصادر موثوقة، وصلبة.
لا اقول ادعاءات.
بل اقول حقائق تستند إلى معلوماتٍ استخباراتيةٍ راسخة”.
طبعا نعرف الآن أن كل ما قاله كان زيفاً محضاً، مما جلب عليه عاراً تاريخياً لن يُمحى أبداً
بعد عودته من نيويورك، كنتُ واحداً من خمسة مراسلين عربٍ دُعوا للقائه في مكتبه.
يينما كنت جالساً إلى يساره حول طاولة مؤتمرات، طرحتُ سؤالاً أثار انزعاجه بوضوح.
نظر إليّ مباشرةً وقال: “يبدو أن أسئلتك تتمحور أكثر حول الإسلام؛ في حين أن هذا الأمر لا علاقة له بالدين”.
ورغم أن نبرة صوته ظلت مهذبة ودبلوماسية، إلا أن التوتر الكامن كان واضحا.
فى ذلك الوقت، كنت توصلت بالفعل إلى استنتاج مفاده أن “الحرب على الإرهاب” التي شنها الرئيس بوش كانت، من نواحٍ عديدة، حملة عسكرية تستهدف المسلمين.
في الأسبوع التالي بعد باول، أجريتُ مقابلة مع كوندوليزا رايس في البيت الأبيض، بصحبة صحفي عربي آخر.
كانت رايس إحدى المهندسات الرئيسيات لغزو العراق، واشتهرت بتحذيرها بشأن البرنامج النووي المزعوم لصدام حسين بقولها: “لا نريد أن يكون الدليل القاطع (المسدس المُدخن) هو سحابة نووية.”
اعتقد اننى اغضبتها عندما “لعبتُ بورقة العرق”؛ إذ ألمحتُ إلى أنها، بصفتها امرأة سوداء، لا يتوقع منها ان تقود الدعوة لغزو بلد يقع في “العالم الثالث”.
كما أشرتُ إلى أن الجنود الأمريكيين السود سيكونون، بلا شك، من بين ضحايا تلك الحرب.
شعوري الحالي هو “ديجت فو” (مشهد متكرر).
وينبع من ذلك النوع ذاته من سياسة “الصدمة والترويع”.
الحقيقة هى ان قصف أمريكا واسرائيل لإيران أضخم كثيرا من المرحلة الأولية لحرب العراقها هو رئيس أمريكي آخر يُعلن، استناداً إلى أدلة، مشكوك في صحتها، أن بلداً مسلماً آخر يشكل خطراً على الأمن الأمريكي.
يبدو أن الدائرة المأساوية للتاريخ تعيد نفسها.
أزاحت أمريكا آية الله علي خامنئي من المشهد، تماماً كما أزاحت صدام حسين قبل عقدين.
ويظل الغموض مخيما، بالقدر ذاته، على ما يخبئه المستقبل.
اخيرا، بالنسبة لشخص سالت دموعه حين شاهد اصوات الاذان في بغداد مع الضربات الامريكية، وحين رأى “التتار المعاصرين” يدخلون بغداد، ليست حرب ايران تحولا في استراتيجية امريكا، ولكن عودةٌ الى كابوسٍ متكررٍ، وهو هجوم حضارةٍ على أخرى، مدفوعةً بحقدٍ أعمى.
بقلم: محمد علي صالح
يعمل محمد علي صالح مراسلاً من واشنطن لمطبوعات ناطقة باللغة العربية في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 1980
==========
[email protected]




الأستاذ محمد علي محمد صالح صحفي أمريكي/سوداني ناجح وذو أيدي نظيفة في نصرة الحق والدفاع عن الإسلام وحقوق المسلمين والعرب والأقليات العرقية في الغرب ، وهو مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ ستينات القرن الماضي ، وطوال عقد السبعينات كان له صفحة كاملة في صحيفتي الرأي العام والأيام ، كانت تنشر مرة كل شهر بعنوان “هذه هي أمريكا” وكان يسافر من منطقة واشنطن دي سي العاصمة إلى مختلف المدن في مختلف الولايات الأمريكية ويلتقي بعائلات المغتربين السودانيبن الذين كانوا قليلين جدآ في الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان يكتب مقالات للصحف السودانية يعّرف فبها القارئ السوداني على المجتمع الأمريكي. وأذكر أنه في بداية السبعينات نُشر له أحد مقالات سلسلة “هذه هي أمريكا” كان قد أجرى فيه لقاءآ مصورآ مع أستاذي الجليل قاسم يوسف بدري وزوجته د. آمنه الصادق بدري ، وكان د. قاسم يومها يسعى لنيل إجازة الدكتوراة من جامعة كاليفورنيا فرع مدينة سانتا باربارا …. هكذا كان الأستاذ محمد علي محمد صالح ، محبآ للسودان ولأهل السودان وكان له باع طويل في تعريف السودانيين على المجتمع الأمريكي ، كما أنه ناشط جدآ في توثيق كل الوثائق الحكومية الأمريكية التي لها علاقة بالسودان بمجرد أن يسمح لها الأمريكيون بالخروج من دائرة “سري جدآ” بعد أن تمضي عليها فترة زمنية محددة يجيز القانون الأمريكي بعدها الإطلاع على تلك الوثائق ، وقد قام الأستاذ محمد علي محمد صالح بتوثيق ونشر الكثير من تلك الملفات التي كانت تخص العلاقات الأمريكية السودانية ، وكان منها المراسلات التي كانت تتم بين السفير الأمريكي في الخرطوم ووزارة الخارجية الأمريكية عبر حكومات عبود ، والأزهري ، وجعفر النميري. أيضآ الأستاذ محمد علي محمد صالح له باع طويل في الدفاع القانوني عن حقوق الأقليات والمسلمين والعرب في الولايات المتحدة الأمريكية ، وأحيانآ كان يقوم بالتظاهر لوحده أمام سياج البيت الأبيض وأحيانآ في طقس الجليد والصقيع ، حاملآ لافتة تعبر عن دفاعه عن المسلمين أو ضد الحروب الأمريكية العبثية. أستاذ محمد علي محمد صالح رجل قامة شاهقة ، نفخر به ونعتز به كسوداني نوبي حلفاوي إبن أصالة الأرض والنيل. لك أحسن الجزاء والفضل من الله أولآ ، ثم من الشعب السوداني أيها المسلة الفرعونية النوبية السوداني الأصيل. كم نحن فخورون بك وبارك الله فيك وفي أيامك أيها الجليل.
لا ادرى ما معنى دولة اسلامية?? كلام ونسات ستات الشاي