مقالات وآراء

حرباءُ السياسة.. عازفو الأوركسترا لكل طاغية

السماني شكر الله

في سيرة الأوطان المتعثرة، لا يندر أن تظهر كائناتٌ تتقن العيش في الظلال، وتبرع في التلون وفق مقتضى اللحظة. غير أنّ المأساة السودانية منحت هذه الظاهرة بعداً أكثر فجاجة؛ إذ تحوّلت فئةٌ بعينها إلى ما يشبه الأوركسترا الجاهزة للعزف تحت عصا أي طاغية، لا تسأل عن اللحن ولا عن الغاية، بقدر ما تنشغل بموقعها في منصة الامتياز.
هؤلاء هم جوكية السياسة طبقةٌ لا تستند إلى رؤية، ولا تتكئ على مبدأ، بل تتغذى على الفراغ وتزدهر في غياب المعايير. منذ أن انفرط عقد التجربة المايوية، تسلّلوا من هوامش الإدارة الأهلية ومن دوائر أنصاف المثقفين’ ليملؤوا فراغ الكفاءة بولاءٍ أجوف، ويعوّضوا فقر الرؤية ببلاغة النفاق. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد السياسة في السودان ساحةً للتدافع الفكري، بل مسرحاً لاستعراض مهارات التلون الحر.
لم تكن تقلباتهم يوماً حصيلة مراجعةٍ فكرية أو صحوة ضمير، بل كانت دائماً انتقالاً محسوباً نحو مراكز الغنيمة. سقطت “مايو”، فبدّلوا جلودهم دون أن يخسروا مواقعهم؛ توزّعوا في جسد الأحزاب، وارتدوا عباءات الطائفية حيناً، وتزيّنوا بخطاب الأيديولوجيا حيناً آخر. ثم جاءت “الإنقاذ”، فوجدوا فيها البيئة المثلى: نظامٌ يتغذى على الفساد، ويحتاج إلى جوقاتٍ تُحسن التبرير. هناك، بلغ “الجوكي” ذروة اكتماله؛ صار لسان السلطة، ووسيطها إلى الشارع، وتاجر أوهامها الذي يبيع الخديعة في هيئة يقين.
وحين اندلعت ثورة ديسمبر، لم يغب هؤلاء عن المشهد؛ بل قفزوا إلى مقدمة الصفوف بجرأةٍ لا تخطئها عين. نصبوا أنفسهم أوصياء على الثورة، وهم الذين قضوا عقوداً في خدمة نقيضها. وما إن تبدّلت الرياح، حتى عادوا إلى مواقعهم المألوفة، ينحنون لكل انقلاب، ويعيدون إنتاج ذواتهم بوجوهٍ جديدة وأقنعةٍ أكثر إحكاماً.
واليوم، والسودان يشتعل في أتون حربٍ عبثية، يتجلى الوجه الأوضح لهذه الحربائية السياسية. لا موقف لديهم إلا ما تمليه خرائط السيطرة:
في مناطق نفوذ الجيش، يتدثرون برداء “الوطنية”، ويصوغون خطابات التعبئة من خلف مكاتبهم الآمنة؛
وفي مناطق نفوذ الدعم السريع، يعتنقون خطاب “المظلومية”، ويتاجرون بآلام الهامش لتسويغ ما لا يُسوَّغ.
إنهم، في الحالتين، العازفون أنفسهم؛ لا يتغير سوى اللحن، أما الغاية فواحدة: البقاء قرب مركز القوة، أيّاً كان شكله.
ليست هذه الظاهرة مجرد انحرافٍ عابر، بل هي عطبٌ بنيوي أصاب الجسد السياسي السوداني. فـ”الجوكي” لا يصنع سياسة، بل يفسدها؛ لا يبني دولة، بل ينهشها من الداخل. وهو، قبل ذلك كله، العائق الأشد صلابة أمام أي مشروعٍ للإصلاح، لأنه يتقن تعطيل التحول، ويبرع في إعادة إنتاج الأزمات.
ومن هنا، فإن أولى وأجلّ مهام لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو لا ينبغي أن تقتصر على تفكيك البنى المؤسسية والاقتصادية للنظام البائد، بل يجب أن تمتد—بذات الحزم—إلى اقتلاع هذه المجموعات الانتهازية من جذورها؛ فضررها على الدولة والمجتمع أعمق وأبقى من أي هيكلٍ إداري أو واجهةٍ سياسية. إنهم الحامل الخفي لكل فساد، والجسر الذي تعبر عبره الأنظمة المستبدة من طورٍ إلى طور، فإذا تُركوا دون بتر، أعادوا إنتاج ذات الدائرة الجهنمية تحت أي لافتة جديدة
إن الطريق إلى وطنٍ معافى لا يمر عبر تغيير الوجوه، بل عبر تفكيك هذه البنية الطفيلية التي جعلت من السياسة سوقاً للنخاسة، ومن المبادئ سلعةً قابلة للمساومة. فلا نهضة تُرتجى ما دام التصفيق يُقدَّم على الكفاءة، ولا حرية تُرجى ما دام النفاق يُكافأ بوصفه “مرونة سياسية”.
سيتحقق النجاح الوطني وتبنى دولة المواطنة والقانون عندما يُستبدل ضجيج “الأوركسترا” الزائف بصوت الضمير، ويُقصى تجار الشعارات من منصة القرار حينها فقط يمكن للسودان أن يستعيد معنى السياسة بوصفها رسالة، لا حرفةً لمن لا حرفة له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..