مقالات وآراء

حين يتأخر الضمير: من أشعلوا النار لا يُطفئونها بدموعٍ متأخرة

بقلم: حسن عبد الرضي

ليست المأساة التي كتبت عنها رشان أوشي جديدة على هذا الوطن المنكوب؛ فالإهمال الإداري، وانهيار المؤسسات، وضياع المسؤولية، كلها أعراض لمرضٍ قديم استشرى حتى أكل جسد الدولة. ولكن الجديد – والموجع حقاً – أن يأتينا البكاء اليوم ممن كانوا بالأمس يصفقون للحريق، ويؤججون نيرانه، ويزينون للناس وهم الحرب ونشوة الدم.
نقرأ اليوم مقال “جمهورية الإهمال: محنة الجراح وخطيئة المخازن” فنكاد نتعاطف مع مضمونه، لولا أن كاتبته ومن معها من شلة “المتصيحفين” كانوا جزءاً من المشهد الذي أوصل البلاد إلى هذا الدرك السحيق. أولئك الذين اصطفوا خلف خطاب الحرب، وباركوا سفك الدماء، وروّجوا لانتصاراتٍ زائفة، حتى صار الوطن ساحةً مفتوحة للفقد والخراب.
أيّ ضميرٍ هذا الذي يستيقظ بعد أن تُكسر العظام؟ وأيّ حسٍ إنسانيٍ يهبّ بعد أن تُزهق الأرواح وتُهدر الكرامات؟
نعم، ما ورد في المقال عن مأساة الدكتور الجراح سامر عبد القادر يوجع القلب، ويكشف حجم الانهيار الذي أصاب القطاع الصحي، حتى صار الطبيب يحمل أدواته بيديه، ويعالج الناس بإمكاناته الخاصة، في مشهدٍ أقرب إلى العصور البدائية منه إلى دولةٍ تُحترم. ونعم، قصة الدقيق الفاسد في مخازن برنامج الغذاء العالمي ليست مجرد إهمال، بل فضيحة أخلاقية مكتملة الأركان، تعكس قسوةً لا تُغتفر تجاه الجوعى والمعدمين.
لكن السؤال الذي لا مفر منه: أين كانت هذه الأصوات حين كانت طبول الحرب تُقرع؟
أين كانت حين كان التحريض يُبث ليل نهار، ويُدفع بالشباب إلى محرقةٍ بلا معنى؟
أين كانت حين كان الوطن يُختطف، لا بالإهمال وحده، بل بالتواطؤ والصمت والتزييف؟
إن من ساهم في إشعال الحريق لا يملك رفاهية الظهور اليوم في هيئة الناصح الأمين. فالكلمة مسؤولية، ومنابر الإعلام ليست أدواتٍ بريئة، بل قد تكون – حين تُستخدم في غير موضعها – أخطر من الرصاص.
ومع ذلك، ورغم كل هذا، نقولها بصدقٍ لا يخلو من مرارة: نرجو أن يكون هذا الصوت المتأخر بداية صحوة، لا مجرد موجة عابرة من التباكي. نرجو أن يكون الضمير قد استيقظ فعلاً من سباته العميق، لا أن يكون قد تحرك انتقائياً، يندد بالإهمال ويغض الطرف عن جذور الكارثة. فالوطن لا يحتاج إلى مزيدٍ من البكاء، بل إلى شجاعة الاعتراف: الاعتراف بأن الحرب كانت خطيئة، وأن التحريض عليها كان جريمة، وأن الصمت عن الظلم شراكة فيه.
إن مأساة الجراح، وخطيئة المخازن، ليستا سوى فصلين في كتابٍ أكبر عنوانه: انهيار القيم قبل انهيار المؤسسات.
ولا سبيل للخروج من هذا النفق إلا بصدقٍ كامل، يبدأ من مراجعة الذات، لا من تجميل المواقف.
فإن كانت رشان أوشي وصويحباتها قد بدأن فعلاً رحلة العودة إلى الضمير، فمرحباً بأي صحوةٍ، مهما تأخرت. أما إن كان الأمر مجرد إعادة تموضعٍ في مشهدٍ متغير، فسيظل الشعب – الذي دفع الثمن دماً وجوعاً وكرامة – أقدر على التمييز من كل الأقلام. والتاريخ… لا ينسى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..