بركة المبروك برك فى وحل الحرب

إبراهيم بخيت
كنت والله أتمنى ان يكون الروائي الكبير بركة ساكن قد افلحت عبقريته السردية الروائية ان تحصنه من الاندفاع المشوش في قراءة حادثات السودان وتبصر مراحلها ومخرجاتها و فعائلها وفاعلها والمفعول بهم بعين الأمين الحريص على سلامة الوطن المترنح.
وتعديل مساره دون العوائق التي لازمت مساره تاريخا، وحتى في المدى القريب والحالي. الروائى الباذخ تعجل – وليس كعادته حين يتأنى في تفاصيل رواياته – تعجل في الخوض مشمرا ومحفزا فكره وقلمه في تسطير منظومة من الجمل والمفردات البلاغية الأدبية وابتدارإحالات الصناع والصنايع الى غير أهلها وزمانها ليدين الصحفية رشا عوض التى قالت رأيها في مصيبة الحرب وصناع المصيبة وضحاياها دون شطط. وبالطبع يحق له هذا – ليس الإدانة – بل من واجبه تناول المصيبة السودانية بأمل الرجاء في ايقافها كما كنت احسبه فاعل، ولكنه ترك الفجيعة تمضى بالأرواح، واختار النظر اليها بعين المنافح عن طرف من أطرافها كأنها من الأفعال الحميدة التي ينبغي ان يحمد عليها دون ان يدينها، ويدين شراكة الدم بين المتقاتلين الذين يتبخترون بها بهذه المصيبة بين البسطاء يرجون مباركتها كل من الجانب الذى يليه.
وكنت كذلك اظن ان أمثال الروائى بركة هم من اهل الفطنة والعين الإنسانية الذين ينظرون لكل الحروب على انها فعل همجي مجاف للإنسانية. ويجب مبدأ ان يحتقر أطرافها دون ان يراها فعلا حتميا ينبغي ان يناصر احد طرفيه.
هذا كان العشم والمرجومن هذا القامة الأدبية. ولكنه اختار حرا ان يدين أداة كتاباته المتمثلة في اللغة والبلاغة والمحسنات اللغوية ويقلل من قيمتها و جدواها و يقدم عليها – الدم – بركة يدين اللغة والبلاغة ليستخدم ذات الادوات في تدوير كل الاتهامات المكرورة لفعائل الجنجويد دون تحديد زمانها اومكانها، ويعيب ذلك على غيره، بل ويستنكر عليهم السؤال عن الرحم الذى خرج منه الجنجويد، ولا يرى في انتسابهم لأى رحم جريمة، بل يعتبر مجرد السؤال عن ذلك مجرد مراوغة.
بل ويطالب الناس بعدم حبسهم بمثل السؤال عن من اوجد الجنجويد قافزا بعيد عن اصل العلة وسبب المصيبة في محاولة لتبرأة الاب الشرعى وعفوه وطلب الغفران له لتقصيره وعدم تربية ابنه العاق الذى يبطش بالشعب والعشب معا. وكيف والامر كذلك ترى يا بركة -المسألة ليست رأياً، ولا سوء تقدير، ولا خلافاً في زاوية النظر- حين تجزم بان المسألة دم فقط. وهل يجف الدم دون معرفة منابعه ومصانعه، وصناعه، وتحديدها، واغلاقها؟ وهل تغلق وتجفف منابع الدم ب – المديدة حرقتنى- كما تدعو لذلك، وبذات الرايات والشعارات الانتقامية. يجب ان يغضب المواطن – ومن حقه – من الحرب ومن المتقاتلين معا من الصانع ومن المصنوع من الجيش ومن الدعم السريع. ومن كل من يرى ان الحرب واجب مقدس، اوفرض عين اواذن او غيرها من الغمامات التي تدعو للتعامى عن تداعياتها المريرة. هذه الحرب أيها المتبارون بالكلام وتسديد الاتهامات، ليس مباركة وليست مبروكة ولا كرامة لها غير انها تعصف بالحياة الإنسانية و بالإنسان الذى كرمه الخالق. وتعمى البصيرة والعقل عن المأساة الإنسانية التي يتجرع المواطن غلوائها السودانى أينما التفت واينما وجد.
مازلت امنى نفسى بان تسدد العقول و الأقلام عينها على الوطن العليل المعلول والدفع نحو تطبيبه وليس بزيادة اواروعوار مسببات علته ونبذ هذا الحرب اللعينة والتبرؤ من صانعيها و من مؤيديها و من الساكتين عن كشف ماسيها من قبل كل من حمل السلاح وصوبه نحو الاخر طمعا في مغنم يرجوه بقتل الاخر. ونسال الله ان يبارك في كل من يفعل ذلك يا بركة.



