
منذ عودته إلى القرية قبل سنوات بعد ان أُحيل الي المعاش من وظيفته كسائق في احدي المؤسسات الحكومية، التي عمل فيها بعد أن ترك الجيش الذي التحق به كمجند لعدة سنوات، وهو يمارس حياة روتينية تخلو من أية مفاجآت، يخرج صباحا ليبحث عن بعض الحشائش لبقرته، يعود إلى البيت ليتناول الافطار ثم يذهب إلى المسيد ليبقى فيه حتي أداء صلاة العشاء ثم يعود ليخلد إلى النوم.
يعيش وحيدا بعد وفاة زوجته واستقرار ابنه في الخرطوم، حيث تباعدت رسائله، وان كان بعض المال الذي يقيم الأود بالكاد يصل منه كل بضعة اشهر.
كان يداوم أيضا في أيام الأحد والأربعاء على الجلوس والانتظار في الشارع الرئيسي الذي يعبر وسط القرية، أملا في أن يجد في البص القادم من مدينة أمدرمان من يحمل له رسالة من ابنه أو أحد زملائه القدامى، أو من يستعير منه صحيفة يعرف منها بعض أخبار الحياة في العاصمة.
لا يكاد أحد يلحظ وجوده، يستمع إلى المناقشات التي تدور داخل المسيد في الفترة ما بين صلاتي المغرب والعشاء، دون أن يشارك في شيء، يشعر أحيانا بأنه موجود في العالم بالصدفة، لا يفهم حتى سبب وجوده في هذه القرية المنسية على حافة الصحراء، حيث البيوت نصف غارقة في الرمال ونبات الحلفاء، حتى أنه يعيد التحديق في الاشياء والوجوه من حوله ليتأكد أنه لم يضل الطريق، وأنّ شبح شجرة الحراز الضخمة التي يجلسون بجانبها، هي نفس الشجرة التي قضى طفولته يلعب مع أقرانه في الساحة حولها، وأنّ العالم هو نفسه العالم الذي عاش فيه أكثر من نصف قرن دون أمجاد كثيرة تُذكر، سوى بقائه قيد الحياة على حافة هذه الصحراء .
يحتاج النقاش في المسيد احيانا أن يدلي شخص عاش في العاصمة برأي بحكم معرفته بالعاصمة. ينسى الجميع انه عاش جزءا من حياته في الخرطوم، أو كأن رأيه أو معلوماته عن العاصمة لن تقدم شيئا يفيد النقاش. لا يتذكره الناس الا نادرا حين يرد اسم شخص ما لا يستطيع احدهم تقدير عمره، حيث يقع سنه في تلك المسافة الضبابية بين الخمسين والستين التي لا يستطيع احد تحديد ان كان صاحبها شابا ام مسنا، فيتعالى صوت أحدهم عندئذ:
والله هو بيكون من دور عبد الحليم كدة!
عندها ينتهي الموضوع بسرعة، يعرف الجميع أن الشخص المعني لا يمكن تحديد عمره بالضبط ابدا.
أصبحت البقرة جزءا كبيرا من حياته، يبالغ في العناية بها، المراح داخل البيت، يعيد كل يوم تجديده وتدعيمه بأعواد من الخشب والقش حتي لا تضايقها اشعة الشمس الحارقة، يخلد إلى النوم مساء في الفناء قريبا منها، صباحا يحلبها ويصنع بنفسه الشاي، يحب شراب الشاي باللبن صباحا بكمية كبيرة من السكّر، معظم النقود التي يرسلها ابنه يستهلكها في شراء السكّر، يمضي فترة ما بين صلاتي العصر والمغرب بجانب بقرته بعد أن يضع أمامها كومة من الحشائش، يحادثها أحيانا، يتذكر أصناف الاكل الشهية التي كانت زوجته تصنعها من حليب البقرة.
ذات مرة جاءت ست البنات جارته تحمل له رسالة احضرها شخص ما من ابنه في الخرطوم ووجدته يحادث البقرة، فذهبت لتخبر جاراتها أن عبد الحليم فقد عقله، قالت: وجدته يتحدّث مع البقرة!
يمضي في رحلة النسيان اليومية وسط الناس، حتي يتذكره أحدهم مستخدما اسمه لإضفاء الغموض علي عمر شخص ما، بعد نهاية مراسيم صلاة العشاء وتناول طعام العشاء يجلس بعيدا قليلا من الصبية الذين يسمرون في ضوء القمر ويدخنون، يمد يده احيانا فيضع احدهم فيها سيجارة قمشة، يجتر دخانها ببطء وتلذذ، كأنها سيجار كوبي، حتى تنتهي السهرة فجأة حين يقول أحد الشباب الذي يتذكر فجأة أنه متزوج: (دقيقة ابول وأجي !)
فيعرف الجماعة أنه سيزوغ ولن يعود مرة أخري، ثم يتمطى أحدهم بعده ويعلن بكسل: (السهر ضريرو !)
أي أن السهر يضر الصحة!
فيعرف البقية أنه تذكر أنه متزوج ولا يجب أن يبقى كثيرا مع هؤلاء (العذّاب)، ثم ينسحب الصبية ويكتشف عبدالحليم أنه اصبح وحيدا، يهب واقفا ويتجه الي البيت، يجد البقرة تهش الذباب النائم فوقها بذيلها وهي تلوك بقية ما اكلته نهارا من حشائش وقصب، يخلد الي النوم، لتبدأ نفس الرحلة صباحا.
حتي الصباح الذي فتح عينيه علي منظر البقرة المتكومة في الفناء، حسب أنها كانت ترقد ارضا وذهب ليؤدي صلاته ثم احضر جردل الحليب، ليكتشف أنّ البقرة كانت ترقد دون حراك!
لم يصدق عينيه في البداية، وجرى مرتبكا الي خارج البيت يبحث عن شخص يساعده، وجد الطاهر ود الفكي الذي جاء معه ليفحص البقرة ويعلن أنّ البقرة كانت ميتة، قال الطاهر : يظهر أن ثعبانا لدغها ليلا. وبالفعل نظر الطاهر الخبير في اقتفاء الاثر حواليه وحدّد مكان ثعبان ( ابو الدفان) الذي يختبئ داخل التراب، ويترك اثناء سيره آثارا طفيفة فوق الارض، أحضر الطاهر معولا وضرب به الارض فشطر الثعبان الي نصفين.
ذهب الطاهر لينادي علي بعض الشباب لمساعدته علي سحب البقرة للخارج ودفنها، بدا عبد الحليم ذاهلا طوال ايام عن كل ما حوله، بقي لا يغادر البيت عدة ايام، لم يسأل عنه أحد، كان الزمان موسم الحصاد وانشغل الناس بجمع المحصول، وبغلاء المعيشة وعلاج الاولاد.
في يوم الأحد خرج كعادته كل يوم أحد وأربعاء لانتظار البص القادم من الخرطوم، أملا في أن يحضر ابنه او يتسلم منه رسالة على الأقل بها بعض المال، لبث منتظرا فترة طويلة في الشارع، تأخر البص القادم من امدرمان كثيرا ، لكنه ظهر أخيرا في وهج المغيب، توقف البص لثانية واحدة نزل أحد الشباب من جيرانهم، سأله عبد الحليم ان كان قد رأى ابنه ، لكن الشاب المتعجل قال انه لم يره منذ فترة طويلة.
بقي عبد الحليم جالسا لبعض الوقت بعد أن انفض كل الناس الذين كانوا ينتظرون البص مثله، بدا من ارتباك نظراته كأنه لا يعرف ما الذي جاء به للانتظار في الشارع، قبل أن يقفل عائدا الى بيته.
في البيت اخرج حقيبة حديدية يحتفظ داخلها ببعض ملابسه القديمة التي شهدت تحولاته الوظيفية واسفاره داخل الوطن، وجد ملابسه العسكرية بحالة جيدة، كانت زوجته الراحلة قد حفظتها مع بقية ملابسه القديمة في تلك الحقيبة.
أخرج الزي العسكري وارتداه بالكامل وخرج الي المسيد وهو يسير بخطوات عسكرية هادئة. كان هناك مأتم في ذلك اليوم في المسيد، توفيت مك الدار العجوز بعد ان قارب عمرها المائة.
في اللحظة التي فرغ فيها الحضور من أداء صلاة المغرب، ظهر عبد الحليم فجأة بملابسه العسكرية حتي أنّ الشباب الواقفين حول سور المسيد، ولوا الادبار معتقدين أنها كبسة من قوات الجيش بحثا عن الشباب لإرسالهم إلى الحرب.
لم يتعرف عليه الناس في البداية، بسبب الظلمة الزاحفة، وبسبب أنّ الناس لم تعتاد على رؤيته بالزي العسكري، لكنه لم يهتم كثيرا بفوضى الهروب، حيا الناس بعصاه وافتتح خطبته بعبارة أيها المواطنون الثوار الأحرار الشرفاء!
قال الزين الكذّاب: ما دام بقينا شرفاء، معناها في انتخابات !
قرأ عبد الحليم بيانه الأول، كان مرتبا وواثقا حتي أن البعض استغربوا عدم سماعهم لموسيقي عسكرية مصاحبة. أعلن أنّ الجيش استولى علي السلطة بسبب الفوضى التي تجتاح بلادنا.
وقال شيخ الطيب هامسا: أول مرة اشوف لي انقلاب بعد صلاة المغرب!
بعد أن توقف للحظة ليحيي بعض الشباب والأطفال الذين صفقوا له، واصل عبد الحليم قراءة بيانه:
إن الغلاء الشديد الواقع علي كاهل المواطنين وتخلي الدولة عن التزاماتها تجاه الفقراء هو السبب الاساسي الذي دفع بالجيش للاستيلاء علي السلطة، قبل أن يوضح أنّ الاختيار وقع عليه باعتباره أعلي الرتب العسكرية ليصبح رئيسا لمجلس قيادة الثورة ورئيسا للجمهورية ورئيسا للوزراء!
قال شيخ الطيب هامسا لشيخ النور: الزول دة جاد يا اخوي. بعدين الكولونيل دي شنو؟
ضحك شيخ النور وقال: وحالتك كنت قاضي في المحكمة الشعبية؟ كولونيل رتبة في الجيش، يعني عقيد .
قال الطيب: وعبدالحليم متين بقى عقيد ؟ لغاية نزل المعاش كان بشريط واحد! أي زول يجي ماري جنبه حتى لو وكيل عريف، كان عبد الحليم يخبط كراعه في الواطة ويحييه!!
انهي السيد الرئيس بيانه بإعلان أنه سيتم اعلان الحكومة الجديدة خلال أيام قليلة.
قال شيخ النور لشيخ الطيب: باقي ليك أنا أنفع وزير شنو؟
ضحك شيخ الطيب وقال: انت زول عاشق للبهائم والبقر عشان كدة نعملك وزير للثروة الحيوانية!
ضحك شيخ النور وقال وانت عاشق الرادي نعملك وزير للإعلام والاتصالات!
ضحك الطيب وقال: دي وزارة تعبانة ما فيها حاجة، الاّ كان أسرق لي مكرفون!.
لاحظ شيخ النور: داير تآكل الحرام علي آخر عمرك!
ضحك شيخ الطيب وقال: حرام ولا حلال أنا لاقي!
لاحظ الزين: طيب ما تعمل زي عبد الستار، أعمل ليك دقينة، وأبواب الخير تنفتح عليك من كل الجهات!
قال شيخ الطيب: قالوا في وزارة اسمها التمكين! قروشها سمحة خلاص!
قال شيخ النور: ما فضل تمكين، البلد الجماعة سرقوها عدموها نفّاخ النار!
بعد ان أنهى بيانه جاء السيد الرئيس ليجلس أرضا علي البساط وهرع عصام يقدم له القهوة، قال لعصام، الرجاء أن تقدموا القهوة للحرس الجمهوري في الخارج!
شاع خبر الانقلاب المحلي في القري المجاورة وتدافع الناس لمشاهدة الرئيس الجديد.
سأل أحد الفضوليين: اين الرئيس؟
اشار شيخ النور الي بيت عبد الحليم الصغير المسقوف بفروع السنط والقصب و المجاور للمسيد وقال: عنده مشاورات في البيت الأبيض!.
قال شيخ الطيب: الليلة إعلان الحكومة الجديدة!
وقال الزين الكذّاب: الليلة ما بنرجع الا بيان الحكومة الجديدة يطلع!
وقف بعض الصبية أمام بيته يؤدون دور الحرّاس، تشاجروا مع امرأة مسنة كانت تحمل عريضة تريد تقديمها للرئيس حول ابنها الذي اختفي منذ سنوات، بعد ان ألقي الجيش القبض عليه في أحد الاسواق. خرج الرئيس بعد قليل ، تسلّم العريضة من المرأة وقرأها علي مهل، كانت مكتوبة بخط سيء فقد كتبها عبد العاطي الذي كان يكتب الرسائل لأهل القرية مقابل وجبة عشاء من (السك) وهي نوع من الخبز يصنع من الدقيق والتمر، للرسائل العادية، ومقابل نسبة من الاشواق للرسائل العاطفية، حيث يشترط ان يقرأ ردود الرسائل التي يكتبها!
كانت مقدمة العريضة طويلة جدا، وصيغت بأسلوب عاطفي حزين حتي أن السيد الرئيس استغرق في البكاء قبل أن يكمل قراءة العريضة!
وضحك شيخ النور الجالس في المؤخرة وهو يقول هامسا لمن حوله: والله دة أحسن رئيس، أول مرة اشوف رئيس بيبكي!
جفف الرئيس دموعه واصدر قرارا جمهوريا بإعادة الولد الي أمه فورا، وطلب ارسال نسخة من القرار إلى الاذاعة . ثم وقف ليتلو بيان تشكيل الحكومة الجديدة.
النور حسن ابو العينين خليل نور الدين..
ضحك شيخ النور في المؤخرة وقال: والله اسمي الكامل دة انا ذاتي نسيتو، يا ربي الزول دة لقاه وين؟
نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية!
زغردت النسوة في الخارج ووقف شيخ النور مبتهجا وقال : والله لو كان أداني الثروة الحيوانية كان بقبل بيها، يا زول بعد دة أي زول ماشي العمرة يجي علي بجايي!
الطيب صلاح الدين علي نور الدين
وقال شيخ الطيب: (أفو)
وزير الزراعة والانتاج الحيواني!.
ضحك شيخ الطيب وقال : الزراعة دي محل ما نمش مباريانا ما كان يشوف لينا حاجة تانية!
الزين المصباح علي نور الدين.
وقال الزين: هلا هلا
وزير دولة بوزارة الصحة والتأمينات الاجتماعية.
ارتبك الزين وقال : طمنونا يا جماعة وزير دولة دي شنو؟
ضحك شيخ النور وقال دي زي ما تقول كدة مساعد وزير ما تقدر تاخد قرار لو ما حدثتنا.
مبارك عبد الرحيم الحسن نورالدين:
زغردت احدي النسوة في الخارج:
وزير الداخلية.
وضحك مبارك وقال : اي زول داير رخصة سلاح سواقة عربية، باسبورت للعمرة يجي علينا بجاي!
عصام الفضل محمد نور الدين.
وقف عصام ورفع يديه الاثنين:
رئيسا للحرس الجمهوري بمخصصات وزير ولائي!
ضحك عصام وقال شكلي كدة اتكلفت، بالله ما كان يديني البترول والثروة المعدنية!
فاطمة عبد الرحمن نورالدين.
زغردت النسوة في الخارج.
وزيرة الشئون الاجتماعية!
الزين محمد عبد الرحمن!
وقال شيخ النور: دة الزين الكضّاب!
وزيرا للإعلام!
وقال شيخ النور : يا زول الناقصة تمت تب! الزول الكضّاب في المكان المناسب!
تسلم الزين الكضّاب قرار تشكيل الوزارة الجديدة وذهب ليرسله الي الإذاعة. في انتظار ان يذاع التشكيل الجديد في الاذاعة يبقي صوت الراديو عاليا في المسيد، يعلق شيخ النور: بختك يا شيخ الطيب، الفراش دة شكلو ما حيترفع لو ما الوزارة الجديدة اتذاعت!
يبقى معظم الوقت داخل بيته في استقبال زواره وقراءة العرائض وحل المظالم، يرسل كل بضع دقائق من يسأل: هل اذيعت الوزارة الجديدة..
في اليوم السابع خرج والحزن باد علي وجهه: لم تذع أي من قراراته حتي تلك اللحظة، أصدر قرارا بإقالة وزير الاعلام وإحالة مدير الاذاعة الي التحقيق، وأصدر قرارا بمجانية العلاج والتعليم واعادة الدعم الي أسعار السكّر والخبز.
عاد إلي بيته مساء، تذكر زوجته التي اضاعت بموتها فرصة أن تصبح السيدة الأولى والبقرة التي كانت ستصبح البقرة الأولى، خلع ملابسه العسكرية ووضعها علي مقعد بجانبه، رأى زوجته تواصل الشجار مع حيواناتها الاليفة وهي تتقدم نحوه في موكب من الأنوار، هبت نسمة برائحة السمك الميت ونوار شجر النيم، وفي حراسة القمر، نام في فراشه إلى الأبد.




أنه السودان داخل قرية صغيرة … قصة رمزية رائعة وتوصيف يقارب إلتقاط صورا فوتغرافية