مقالات وآراء

سقطة الوزير أحمد التجاني: غلطة عابرة أم سلوك فضح حقيقته؟

أسماء محمد جمعة

ضجت وسائل التواصل بما نشره وزير الثروة الحيوانية والسمكية السوداني أحمد التجاني المنصوري، الذي عين في أغسطس 2025، حين أعلن عبر “لينكد إن” أنه يبحث عن عمل إضافي بدوام جزئي بسبب انخفاض راتبه، محددا وظائف استشارية وأكاديمية، ومبدياً استعداده للعمل داخل السودان وخارجه.
لا أدري إن كان الرجل كتب الإعلان في ساعة صفاء أم كدر، — أم هي هفوة ، أم أنه تناقض سلوك في شخصيته انكشف حين وجد البيئة المناسبة؟ أم مرت عليه نوبة نسيان أعادته إلى زمن الشباب ، فكل شيء جائز ولكن حينها سيكون غير مؤاخذ.

المهم صدى الإعلان ما زال يرن في الفضاء العام حتى الآن، ولا أعتقد أنه سيزول أبدا، فهو سابقة لم تحدث في أي دولة. فالكل يعرف أن منصب الوزير حساس جدا، ويخضع لقوانين تمنع الجمع بين المناصب، وأي بحث علني عن وظيفة اضافية يفهم على أنه عدم التزام بالمسؤولية أو استغلال للمنصب لتحقيق مكاسب شخصية. وهو في الحقيقة فضيحة سياسية، لو حدثت في أي دولة في العالم لأدت إلى استقالة الوزير أو إقالته فورا. ولكن لأن المنظومة التي عينته هي أصلا فاسدة، فإن الاستقالة أو الإقالة غير واردتين في نهجها مهما فعل الوزير. وفي الحقيقة وزراؤها يفعلون أكثر من ذلك بكثير، ولا يحتاج أحدهم إلى أن يعلن عن حاجته لوظيفة إضافية، لأن المنصب يتيح لأي وزير أن يفعل ما يريد ويأخذ من أموال الدولة ما يوفر له أقصى درجات الرفاهية، ويؤمن مستقبله ومستقبل أبنائه وأحفاده وأهله أيضا.

والحق يقال، في ظل حكم الكيزان، كل الوزراء على الإطلاق لديهم أكثر من وظيفة يمنحونها جل وقتهم، أما الوزارة فيتعاملون معها كوظيفة ثانوية او عمل اضافي ، لذلك هم فاشلون. ولا يحاسبهم أحد، لأن منهجهم لا يحاسب من ينتمي إلى منظومتهم مهما فعل.

أنا هنا أكتب عن هذا الوزير ليس لأنه واحد منهم وأتى بما لم يأت به أحد من قبله، بل لأنه يفترض أنه شخص مختلف منفتح على العالم، وامتلك العلم والخبرة الاقليمية التي جعلته يصبح أستاذا جامعيا وإداريا في شركات ضخمة وخبيرا دوليا في الإنتاج الحيواني في الخليج المزدهر، ولديه سيرة ناصعة تجعله حريصا على ألا يخدشها ولو بالكلام، حتى ولو مات جوعا.
ولمن لا يعرف أحمد التجاني المنصوري، حتى يتضح مكمن التناقض، فهو طبيب بيطري خريج جامعة الخرطوم. بعد التخرج بدأ حياته كمحاضر وجراح بيطري، وعمل في جامعة الجزيرة وجامعة الملك فيصل (السعودية)، وتولى مناصب إدارية في شركات زراعية كبرى. أسس شركة الروابي للألبان في الإمارات عام 1989، وأصبح رئيسها التنفيذي، وهي من أكبر شركات الألبان في المنطقة اليوم. ساهم في تطوير صناعة الألبان في الخليج والعالم العربي، وحصلت شركته على جوائز إقليمية، واختيرت ضمن أفضل العلامات التجارية العربية. وبلا شك تقاعد منذ سنوات بعد هذا التاريخ الطويل والحافل، وأعتقد أنه تقاعد منذ زمن طويل بسبب العمر، فالرجل يمضي نحو الثمانين له العمر كله .
حين عينته حكومة الأمر الواقع وزيرا للثروة الحيوانية والسمكية، يبدو أنها كانت تأمل في الاستفادة من خبرته الكبيرة في تطوير الإنتاج الحيواني في الخليج. وعندما عين، شكك الناس في أن يقبل المنصب ويختم هذا التاريخ الناصع بالعمل مع مثل هذه الحكومة، ولكنه خذل الجميع وقبل الوظيفة، وجاء مهرولا إليها، رغم أنه غير محتاج لا للمنصب ولا لأي وظيفة أخرى ليكسب المال كما أعلن، فهو ثري بمعنى الكلمة.
ودعونا نحسبها: الرجل قضى في الخليج 45 سنة يعمل في مناصب مرموقة، وقطعا راتبه أكثر من راتب عشرة وزراء في السودان بمخصصاتهم القانونية. وإن كان لديه أبناء ولدوا وتربوا في هذا النعيم، فهم بلا شك الآن يشغلون مناصب مرموقة ولن يتركوه محتاجا، خاصة بعد أن تقاعد ، رغم أنه ظل يعمل مستشارا لعدة شركات. والمؤكد أيضا أن شخصا عمل في الخليج كل هذا الزمن ، حتى وإن كان بوابا، فلن يكون محتاجا الآن لوظيفة لا أساسية ولا إضافية. ولكن في مثل حالته يحتاج أن يخدم الآخرين ويقدم لهم خبرته مجانا، ليفيد بلده والبشرية، مثلما يفعل أغلب الخبراء في العالم بعد التقاعد، خاصة وأن الشعب السوداني يحتاجه أكثر من حكومة الامر الواقع التي لن يجد منها الا الخيبة.
على أية حال، هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها وتحتاج إلى إجابة، وهي: ما السبب الحقيقي وراء إعلان السيد أحمد التجاني عن حاجته لعمل إضافي؟ و هل حقا راتب المنصب ومخصصاته لا تكفيه؟ وهل هو فعلا محتاج إلى هذه الدرجة بعد كل هذا التاريخ في الخليج؟ أم أنه تبرير حتى يفسد ويجد لنفسه العذر؟ أم يريد أن يقول لنا إنه رجل صادق وشفاف؟ ولماذا لا يكون أكثر صدقا وشفافية ويكشف لنا تفاصيل المرتب والمخصصات؟
ثم لماذا لم يعمل في وظيفة إضافية بشكل مباشر سرا دون أن يفضح نفسه في “لينكد إن”، وهو صاحب علاقات مع شركات كثيرة، وبلا شك لن يعجز عن إيجاد وظيفة بمرتب افضل ؟ وهل خاب توقعه مع حكومة الكيزان وكان يحلم برقم فلكي لم يجده؟ أم أنه أصلا (كوز) وحين وجد نفسه بلا عمل (معاش )و فارق تدفق الدينار والريال والربط والحزم بالقانون ، تحرك داخلة الكوز النائم و قرر أن يلحق الرحلة الأخيرة في حكموتهم المنهارة؟
فإن كان كذلك فلا عجب ،و إن لم يكن كذلك فعليه ان يعتذر أو يستقيل احتراما لمكانته، وآن لم يفعل فهو يؤكد هذه الحقيقة و للمرة الثانية .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..