مقالات وآراء

التعليم تحت فوهة البندقية: حين يُهدَّد المعلّم بالاستبدال

حسن عبد الرضي

في بلادٍ كان يُردد فيها “قم للمعلّم وفه التجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولاً”، صار المعلّم اليوم مهدَّدًا بأن يُستبدل بمسلّح. هكذا، ببساطةٍ جارحة، ينحدر الخطاب الرسمي من محراب التربية إلى منطق المليشيا، ومن قداسة التعليم إلى ابتذال التهديد.
ما جرى في اجتماع بمدينة الكاملين بين المعلمين ووزير التربية بولاية الجزيرة ليس حادثةً عابرة، بل علامة فارقة في مسار الانهيار. إذ هدّد وزير التربية والتعليم بولاية الجزيرة، عبد الله أبو الكرام – ويا للمفارقة في الاسم! – المعلمين، نقل في مقطعٍ مصوّر متداول، لا ليطمئنهم أو يعالج مظالمهم، بل ليخيّرهم بين الصمت أو الإقصاء، بين القبول بالظلم أو الاستبدال. قالها صريحة: إن “البراؤون” جاهزون للتدريس، وإن جماعة “كيكل” على أتم الاستعداد لحمل الطباشير كما يحملون السلاح!
أيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل من التعليم وظيفةً يمكن أن يشغلها من يحمل البندقية؟! وأيُّ كارثةٍ هذه التي تُسوّى فيها مهنة بناء العقول مع مهنة هدم الأوطان؟
إن التهديد باستبدال المعلمين بعناصر مسلّحة ليس مجرد إهانةٍ شخصية لمعلمي ولاية الجزيرة، بل هو إهانة لمفهوم التعليم ذاته. فالتعليم ليس عملاً ميكانيكياً يُؤدَّى بأيادٍ مرتجفةٍ من رائحة البارود، بل رسالة إنسانية تحتاج إلى عقلٍ حر، وقلبٍ مطمئن، وضميرٍ حي.
كيف نرجو تخريج جيلٍ متوازن إذا كان معلّمه مهدَّدًا في لقمة عيشه، مرعوبًا في كرامته، محاصرًا في صوته؟ وكيف ننتظر منه أن يزرع القيم وهو يُجبر على ابتلاع الإهانة؟
ما يحدث اليوم في ولاية الجزيرة هو صورة مكثفة لمأساة معلمي السودان جميعًا: رواتب متأخرة، حقوق مهدورة، بيئة عمل مهينة، وسلطة لا ترى في المعلم إلا موظفًا قابلاً للاستبدال. بل تجاوز الأمر ذلك إلى محاولة فرض نقاباتٍ لم يخترها المعلمون، في مشهدٍ يعيد إنتاج الوصاية ويقمع أي صوتٍ مستقل.
ليست القضية قضية “مرتب متأخر” فحسب، بل قضية كرامة مهنة. فحين يُهان المعلم، يُهان التعليم، وحين يُكسر المعلم، يُكسر مستقبل الوطن.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يشرعن لعسكرة المجتمع، ويبعث برسالةٍ مدمّرة مفادها أن السلاح يمكن أن يكون بديلاً عن العلم، وأن القوة يمكن أن تحل محل الكفاءة. وهذه وصفة مؤكدة لإنتاج جيلٍ مشوّه، لا يعرف من الحياة إلا منطق الغلبة، ولا من المعرفة إلا ما يُملى عليه تحت التهديد.
أيها السادة في موقع المسؤولية، إن المعلم ليس خصمًا لكم، بل هو عماد الدولة الصامت، وجنديها الحقيقي في معركة الوعي. وإن كنتم تظنون أن التهديد يُخضعه، فأنتم لا تعرفون معدن هذا الإنسان الذي ظلّ، رغم الفقر والإهانة، واقفًا في الفصل، ممسكًا بطباشيره كمن يمسك بخيط النجاة الأخير.
فيا معلمي السودان: إن صمتكم لن يحميكم، بل سيُطيل أمد الإهانة. إن الدفاع عن الحقوق ليس ترفًا، بل واجب. فأنتم لا تدافعون عن أنفسكم فقط، بل عن مهنةٍ إن سقطت، سقط معها كل شيء.
لقد بلغ السيل الزبى، ولم تعد الكلمات الناعمة تصلح لوصف ما يجري. إنها لحظة مواجهة بين من يؤمن بالتعليم طريقًا للحياة، ومن يراه مجرد وظيفة تُدار بالعصا. فإما أن يُرفع رأس المعلّم، أو يُكتب على هذا الوطن نعيٌ مبكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..