مقالات وآراء

مرافعة البصيرة المفقودة … السودان بين فوهة البندقية والوطن المستباح

محمد صالح محمد
في لحظة تاريخية فارقة يجد السودان نفسه عالقاً في “برزخ” مأساوي حيث تتجسد كلمات الشاعر أزهري محمد علي في مرافعته الشهيرة “مرافعة البصيرة أم حمد” كواقع مرير لا فرار منه.
إننا نعيش اليوم زمن “يوم القيامة” الأرضي حيث اختلت موازين الجاذبية الوطنية وارتفعنا فوق قيم الانتماء لنستقر في فوهة البندقية تاركين خلفنا وطناً كان من المفترض أن يسع الجميع فصار ضيقاً على أهله واسعاً للمطامع.
بين الكرامة والتهليل فصام النخبة والشارع
تتجلى عمق المأساة في الانقسام النفسي والسياسي الذي ضرب بنية المجتمع السوداني.
ففي وقت تصر فيه فئات على “التكبير للكرامة” كفعل صمود واسترداد للذات تنهمك فئات أخرى في “التهليل للجاهزية” في مفارقة تعكس غياب المشروع الوطني الجامع.
هذا الفصام ليس مجرد اختلاف في الرؤى بل هو سقوط في فخ “العدمية السياسية”؛ حيث لم تعد هناك “قضية” واضحة يتفانى من أجلها الجميع بل تحول الصراع إلى مواجهة صفرية داخل فوهة بندقية لا تفرق بين ظالم ومظلوم ولا تبقي ولا تذر من معالم الدولة شيئاً.
سوق الشتائم وبضاعة البلطجية
ما يدمي القلب في المشهد الراهن هو تحول الوطن من “محراب للتعايش” إلى “سوق للنخاسة السياسية”.
لقد ساد منطق “شلة البلطجية” الذين يديرون المشهد بأسلوب الشراء والبيع؛ تُباع المواقف وتُشرى الولاءات بينما يظل المواطن البسيط هو السلعة الأرخص في هذا المزاد العبثي.
“وفرة في سوق الشتايم… والبلد بحالها بتضيع”
لقد استبدلنا الحوار السياسي بالسباب والنقد بالتشهير حتى ضاعت ملامح “الوجيع” الحقيقي.
لم يعد هناك من يبكي على أطلال الوطن بصدق لأن الصراخ العالي في “سوق الشتائم” حجب صوت الأنين الصادر من القرى المحروقة والمدن المهجورة.
المنافي تلد منافي وجغرافيا الشتات
إن أقصى تجليات الحزن السياسي اليوم تكمن في تمدد “الجغرافيا القسرية”.
حين قال أزهري “المنافي تلد منافي” لم يكن يتنبأ بالرحيل الجسدي فحسب بل بالهجرة الروحية عن فكرة “السودان” كوطن آمن.
لقد أصبح السوداني لاجئاً في وطنه قبل أن يكون لاجئاً خارجه وحين تضيق الأرض بما رحبت تبدأ المنافي في التوالد؛ من معسكرات النزوح في الداخل إلى موانئ الغربة في الخارج فيهرب السوداني من “نار” البندقية ليجد نفسه في “صقيع” الغربة باحثاً عن وطن “يسع الجميع” لكنه لا يجده إلا في القصائد القديمة.
هل من بصيرة؟
إن حالنا اليوم كما صوره الشاعر المبدع أزهري محمد علي هو حالة من “اللاجاذبية” الوطنية.
لقد قمنا فوق كل الأعراف والقيم وصار الرصاص هو اللغة الوحيدة المفهومة.
ولكن هل يمكن للرصاص أن يبني مدرسة؟ هل يمكن للفوهة أن تزرع حقلاً؟
إن الصرخة التي أطلقها أزهري محمد علي هي مرافعة لاستعادة “البصيرة”.
فبدون بصيرة سياسية تدرك أن الوطن أغلى من “شلة البلطجية” وأن الكرامة لا تُنال بالدماء السهلة سنظل ندور في فلك “يوم القيامة” هذا ننتظر معجزة تعيدنا إلى أرض الواقع و إلى وطن يسعنا جميعاً قبل أن تبتلعنا المنافي تماماً وتصبح “البلد” مجرد ذكرى في “سوق الشتايم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..