مقالات وآراء

قل جاء الحق وزهق الباطل.. إن نهج الإسلامويين كان زهوقا‎!‎

إيمان حامد الوسيلة

للحقيقة والتاريخ، أول مرة أشعر فيها بعمق مضمون الآية الكريمة في سورة الإسراء: ﴿وقل جاء ‏الحق وزهق الباطل ۚ إن الباطل كان زهوقا﴾، هذه الآية تقرر حقيقة كونية ثابتة: أن الحق هو الباقي ‏وأن الباطل إلى زوال مهما تعاظم وانتفخ.
وما الباطل إلا كزبد البحر الذي قال فيه الحق سبحانه: ﴿فأما ‏الزبد فيذهب جفاء ۖ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾.
وقد اقشعر جسمي وأنا أتأمل مدى تطابق ‏هذا الوصف القرآني مع الباطل الذي جسدته الحركة الإسلاموية في منظومتها الحاكمة في بلادنا ‏العزيزة‎.‎
والتاريخ لا يرحم ولا يكذب؛ فكل حركة بنت سلطانها على الغش والقمع والتلاعب باسم الدين انتهت ‏إلى مزبلة التاريخ، ولم يشذ عن هذه القاعدة أحد.
وها هو الإسلامويون السودانيون يسيرون في ‏الدرب ذاته، مثقلين بتركة خمسة وثلاثين عاما من الدم والفشل والفضيحة والخزي والعار‎.‎
بفضل ما حباني الله سبحانه وتعالى به من نعمة الصبر على الابتلاء وانتظار النتائج الربانية، الحمدلله ‏اليوم وبعد عقود أسمع صرخاتهم وعويلهم وتصريحاتهم تقر بأن حكمهم العضوض قد فشلت، وأن ‏الناس قد بعدوا عنهم، كما صرح ضياء الدين بلال أحد دهاقنة هذا الباطل، وتبدلت لهجة الهندي عز ‏الدين والطاهر ساتي والطاهر التوم، فباتت نبرتهم الهزيمة لا الصولة، ومن اعترف بالفشل فقد ‏انتهى، لأن السلطة لا تقوم إلا على وهم الهيبة والجبروت، وهيبتهم قد تهاوت‎.‎
الاعتراف بالهزيمة..!‏
وأكثر ما أثار حفيظتي تلك التصريحات المنسوبة إلى المجرم الكبير علي عثمان محمد طه، أحد أشد ‏القادة ولوغاً في دماء أهلنا وأطفالنا ونسائنا، وهو يدعو الآن إلى ما كان الشرفاء يدعون إليه منذ ‏عقود، وكذلك تصريحات مصطفى عثمان إسماعيل المهادنة التي تنضح بالاعتراف الصريح ‏بالهزيمة، وإن نفيت صحتها لاحقاً فالنفي بات سمة راسخة في مسيرتهم الدامية، وكما قال المثل ‏العربي العريق: “رب عجلة وهبت ريثاً”.
فهذا الذي أشعل الحرب ورفض إيقافها برغم التوسلات ‏العربية والخليجية والأفريقية والدولية، وأدار ظهره لجلسات الحوار والمفاوضات، ورفع بكل صفاقة ‏شعار “بل بس”، هو نفسه الذي يتحدث اليوم عن الحوار والحل السلمي وقد بدأ الحصار يضيق عليهم ‏من كل الجهات،.. فيا لله من وقاحة لا تعرف لها حدوداً.‏‎!‎
والحقيقة أن الواقع السوداني لا يحتاج إلى مزيد من التأكيد على فشل هذا المشروع الدموي المدمر؛ ‏فكل ما يحيط بنا يشهد عليه: أزمات لا تنتهي، وتقارير وكالات الأنباء ترصد تفاصيل الموت ‏والضحايا والهجرة القسرية والتعذيب والاغتصاب والاعتقال، ومعتقلات تكتظ بأبناء الوطن الشرفاء ‏من النساء والرجال الذين لم يرتكبوا جريمة سوى قول كلمة الحق‎.‎
والأرقام لا تكذب: يصنف مؤشر الدول الهشة السودان باستمرار بين الدول الخمس الأولى الأكثر ‏هشاشة وانهيارا في العالم، ويصنفه مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية من بين ‏الدول العشر الأكثر فسادا في العالم.
فلو كان المشروع الإسلاموي حقا لكانت النتيجة غير هذه، وبالله ‏عليكم: أي رسالة إلهية تنتج هذا الخراب؟.‏
إزهاق الباطل
إن لهجة الهروب من السفينة الغارقة واللهجة التصالحية التي بدأت تطفو على السطح تؤكد بجلاء ‏إزهاق ذلك الباطل الذي عشعش في حياتنا ستة وثلاثين عاما، هؤلاء الذين بدأوا يرسلون الإشارات ‏بلا حياء هم من صاحوا بنا‎:‎‏﴿أنا ربكم الأعلى﴾‏‎..‎ و﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾‏‎..‎
طردوا الكفاءات الوطنية ونخب الأمة، وفتحوا بيوت الأشباح لتعذيب كل من رفض سلوكهم الأرعن، ‏واغتالوا خيرة العقول الوطنية داخل معتقلاتهم.
ولم يرعوا في الناس إلا ولا ذمة، حتى بلغ بهم الهوان ‏أن غرسوا مسمارا في رأس الشهيد الدكتور علي فضل، وارتكبوا ما ارتكبوه في حق الشهيد أحمد ‏الخير.
وصدق فيهم ابن خلدون حين قال: “إن الظلم مؤذن بخراب العمران”، فهل ثمة خراب أبلغ مما ‏أصاب السودان؟.‏
ومن تكبرهم وتعاليهم حسبوا أن السودان مزرعة من مزارعهم؛ يبقون فيه من يشاؤون ويطردون من ‏يخالفهم، حتى أصدروا أوامرهم لبعثاتهم الدبلوماسية بعدم تجديد جوازات سفر المعارضين أو إنجاز ‏أي معاملة قنصلية لهم.
وهذا سلوك من يعتقد أنه يملك الوطن لا من يخدمه، وقبل ذلك كان رأس ‏جيش الذباب الإلكتروني علاء الدين يوسف قد اقترح على قادة النظام طلب تسليم المعارضين من ‏الدول التي يقيمون فيها، وصرح بذلك علنا في حلقة تلفزيونية.
وقد سجل التاريخ هذا الاقتراح بوصفه ‏أحد أبشع التصريحات في تاريخ السودان الحديث، لكنه في المحصلة زادنا عزيمة ومضاء‎.‎
أنا شخصيا فقد تلقيت الشتائم والتهديدات المتواصلة ستة وعشرين عاما، وتعرضت لمحاولات دؤوبة ‏لاختراق حساباتي الإلكترونية، ومحاولات قذرة للإيقاع بي في فخاخ أخلاقية، وكلها باءت بالفشل ‏بحمد الله وتوفيقه.
وقد علمتني هذه التجربة أن الذي يعمل للحق لا يخاف، لأن الحق درعه والله ‏ظهيره‎.‎
اتمام مكارم الأخلاق..‏
والقضية هنا أعمق من سياسة أو خلاف حزبي؛ فهؤلاء لم يكونوا يوما ذوي صلة حقيقية بديننا ‏الحنيف السمح، الدين الذي قال رسوله الخاتم ﷺ: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، الدين الذي عصم ‏دماء الناس وأعراضهم وعقولهم.
فأي إسلام هذا الذي يغرز المسامير في الرؤوس كما فعلوا بالشهيد ‏الدكتور علي فضل، ويهتك فيه عرض الأبرياء كما جرى للشهيد أحمد الخير، ويُعذَّب فيه الناس ‏لمجرد قول الحق؟
إن استغلال الدين لتسويغ الاستبداد أعظم الجرائم وأشدها إثما‎.‎
والإنسان السوداني الأصيل الذي عرفه العالم عبر الأجيال بالكرم والبشاشة والطيبة والشهامة ‏والمروءة، يوجعه أن يرى بلاده تُحكم بعقلية غريبة عن روحه وتقاليده، عقلية لا تعرف الإقالة ولا ‏تقبل الاعتراف بالخطأ ولا تؤمن بالمحاسبة، بل تمارس الغطرسة والاستعلاء على أبناء الوطن، ‏وكأنها مفوضة من الذات الإلهية لحكم السودان بالحديد والنار‎.‎
وفي المقابل أبان المكون المدني بكل أطيافه عن أدب رصين وخلق قويم وصبر على الأذى لم يحركه ‏عداء ماكر ولا إثارة رخيصة.
قادة المكون المدني لم ينزلوا إلى حضيض الإساءة ولم يخرجوا عن ‏دائرة النقد الموضوعي، بينما صرف النظام الإسلاموي ملايين الدولارات على آلات التشهير ‏والتشويه (الغرف الإعلامية) في أربع دول، ليرموا الأبرياء بالعمالة ويلوثوا السمعة النقية.
وبينما ‏كانوا ينفقون هذا المال الحرام على التشويه، كانت الأسر النازحة في بورتسودان وغيرها تعيش في ‏المدارس مفتقرة إلى أبسط مقومات الكرامة الإنسانية‎.‎
إن كلام الله الذي أنزل من فوق سبع سماوات يتحقق كل يوم بأمانة لا تخطئ؛ فالعصبة الحاكمة أنفقت ‏من أموال الشعب ملايين الدولارات فصارت عليها حسرة، والآن هي في طريقها إلى الزوال الأبدي.
‏﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها﴾، وليعلموا أن المحاكم الدولية لا تنام، ‏وأن لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو، قد نهضت من جديد وبقوة، وأن ملفات الجرائم ‏مفتوحة، وأن البشير نفسه مضى بمذلة، فكيف بمن هم دونه؟
وبعد حساب الدنيا ينتظرهم حساب ‏الآخرة الذي هو أشد وأبقى‎.‎
وأنا على يقين لا يتزعزع بأنهم سيلقون يومهم الذي وعدهم الله به، وينتظرنا نحن الذين وقع علينا ‏الظلم فرح لا يوصف برؤية الحق ينتصر‎.‎
وبنصر الله يفرح أهل السودان جميعا‎..‎
الأول من أبريل 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..