تعليمٌ يُبتزّ: حين تتحوّل المدرسة إلى جباية، والطالب إلى ضحية

في ولاية الجزيرة، لم تعد مأساة التعليم مجرد تدهورٍ في البيئة المدرسية، أو انقطاعٍ للمرتبات، أو نزوحٍ قسريٍّ يطحن المعلم والطالب معًا؛ بل تجاوزت ذلك إلى ما هو أكثر فداحة: تحويل العملية التعليمية نفسها إلى سوقٍ للجباية، يُثقل فيه كاهل الأسر، ويُهان فيه الطالب، وتُستنزف فيه المدرسة.
أحدث فصول هذه المأساة أن الوزارة – بلا أدنى حسٍّ تربوي أو مسؤوليةٍ أخلاقية – صنّفت طلاب دفعة ٢٠٢٤، الذين حُرموا أصلًا من الجلوس لامتحانات الشهادة، وكأنهم “اتحاد معلمين”! وكأن الجريمة التي ارتكبوها هي أنهم طلاب في زمن الانهيار.
ثم لم تكتفِ بذلك العبث الإداري، بل فرضت عليهم رسوم قيد بلغت ٦٠ ألف جنيه سوداني، في وقتٍ تعرف فيه الوزارة، قبل غيرها، أن هذه الأسر بالكاد تجد قوت يومها.
أيُّ منطقٍ هذا الذي يعاقب الضحية؟ وأيُّ عدالةٍ تلك التي تُحمّل الطالب تكلفة فشل المنظومة؟
ولم تتوقف الجباية عند هذا الحد. فهناك رسوم الامتحان التجريبي التي بلغت ١٥ ألف جنيه، لا يعود منها للمدارس سوى ألفين فقط، بينما تتبخر بقية الأموال في دهاليز لا يعلمها إلا الله.
ثم تأتي “بطاقة الامتحان” التي كان يُفترض أن تكون موردًا بسيطًا يُعين المدرسة على تسيير شؤونها، فإذا بالمحلية تفرض نصيبها وتطالب بتوريد ألفين جنيه منها!
ويظهر الانغماس في الطمع في ما قام به مدير تعليم محلية جنوب الجزيرة، إذ لم يقم بتسديد مبلغ الألفين ونصف الألف جنيه عن كل طالب، المخصصة للمدرسة، في دليلٍ دامغٍ على الظلم المُغلَّظ في حق المدارس.
هكذا، ببساطة، تتحول المدرسة – التي يُفترض أن تكون ملاذًا للعلم – إلى “بقرةٍ حلوب”، تُستنزف مواردها الشحيحة لصالح جهاتٍ لا علاقة لها بالتعليم، بينما المعلم مسحوق، والطالب ضائع، والإدارة المدرسية مكبّلة.
إن ما يحدث ليس مجرد خللٍ إداري، بل هو انهيارٌ أخلاقي كامل في فلسفة التعليم.
فالدولة التي تعجز عن تمويل التعليم، ثم تلجأ إلى جيوب الفقراء لتعويض عجزها، إنما تعلن صراحةً تخليها عن أحد أهم واجباتها: ضمان حق التعليم المجاني والعادل.
الأدهى من ذلك أن هذه السياسات تُمارَس في ظروفٍ استثنائية، حيث تعاني الأسر من النزوح، والفقر، وانعدام الاستقرار.
ومع ذلك، تُصرّ الجهات الرسمية على التعامل مع التعليم كأنه مشروعٌ ربحي، لا رسالة إنسانية.
إن الطالب الذي لم يجد فرصةً للجلوس للامتحان، كان أولى أن يُدعَم، لا أن يُعاقَب.
والمدرسة التي تكافح لتبقى مفتوحة، كان أولى أن تُدعَم، لا أن تُستنزف.
والمعلم الذي يصمد في وجه الانهيار، كان أولى أن يُكرَّم، لا أن يُهان.
لكن يبدو أن المعادلة قد انقلبت، إذ يُعاقَب الطالب، وتُنهب المدرسة، ويُهمَّش المعلم، بينما تُدار العملية التعليمية بعقلية الجباية لا بعقلية البناء.
ما يحدث في ولاية الجزيرة ليس حالةً معزولة، بل نموذجًا صارخًا لما آلت إليه أوضاع التعليم في السودان.
وإذا استمر هذا النهج، فإننا لا نخسر جيلًا واحدًا فحسب، بل نخسر مستقبل وطنٍ بأكمله.
فالتعليم لا يُبنى بالرسوم، ولا يُدار بالقرارات المرتجلة، ولا يُحفَظ بالجباية… بل يُبنى بالإرادة، والعدالة، والإيمان بأن الطالب إنسان، لا مورد.



