
في السودان، لا يعود السادس من أبريل كتاريخ عابر في الذاكرة، بل كمرآة قاسية تعكس مأساة تتكرر بأشكال مختلفة. في أبريل 1985، خرج السودانيون وأسقطوا نظام جعفر نميري، كما فعلوا من قبل في ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بحكم إبراهيم عبود، وفي 2019 أعادوا المشهد بصورة أكثر إدهاشاً وهم يواجهون نظام الاستبداد الظلامي الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني حيث امتزج الوعي المدني بالسلمية، حرية ، سلام ، وعدالة وتحوّل الأمل إلى فعل جماعي أدهش العالم. ومع ذلك، في كل مرة، لم تكتمل الحكاية. سقطت الأنظمة الاستبدادية، لكن الدولة ظلّت تُختطف في اللحظة الحاسمة، ويتعثر التحول الديمقراطي قبل أن يترسخ.
المفارقة المؤلمة أن السودان ليس بلداً عاجزاً عن الثورة، بل ربما من أكثر شعوب المنطقة خبرة في صناعة الانتفاضات. الإشكال لم يكن يوماً في الشارع، بل يبدأ دائماً بعد أن يهدأ هديره. لحظة ما بعد السقوط هي اللحظة التي يتقدم فيها السؤال الأخطر: ماذا بعد؟ وهنا ينكشف الفراغ الكبير؛ لا مشروع وطني جامع، لا دستور متفق عليه، لا تصور واضح لشكل الدولة، ولا كتلة تاريخية—بالمعنى الذي تحدث عنه أنطونيو غرامشي—قادرة على قيادة الجماهير نحو تحول ديمقراطي مستدام. إنها لحظة تُهدر فيها الطاقة الثورية لأنها بلا إطار سياسي يحميها.
منذ الاستقلال، ظل السودان معلقاً بين تعريفات متنازعة لهويته، وبين نخب تتصارع على السلطة دون اتفاق على قواعدها، وعسكر يتدخلون كلما فشلت السياسة في إدارة خلافاتها. كل انتفاضة كانت تزيح رأس النظام، لكنها تترك البنية القديمة كما هي: دولة هشة، مؤسسات ضعيفة، ومراكز قوى متناحرة. وهكذا تتحول الثورة من لحظة تأسيس محتملة إلى مجرد محطة في أزمة ممتدة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أزمة النخب بوصفها جوهر الخلل. فالنخب السياسية والفكرية لم تنجح، عبر العقود، في التحول إلى قيادة تاريخية تنتج مشروعاً وطنياً جامعاً. انشغلت بالصراعات الإيديولوجية، وبالتحالفات التكتيكية قصيرة الأمد، وبمعارك النفوذ، بينما ظل المواطن خارج معادلة القرار، يُستدعى في لحظة الحشد ويُهمّش في لحظة البناء. وحتى المثقف، الذي يُفترض أن يكون ضمير المجتمع، لم يؤدِ دوره كاملاً، إذ بقي في كثير من الأحيان بين عزلة تنظيرية أو انخراط في تبرير السلطة.
وفي ظل هذا الفراغ، لم يكن غريباً أن يظل العسكر حاضرين في كل مفصل تاريخي: انقلاب 1958، ثم 1969، ثم 1989. لم يكن ذلك فقط نتيجة طموح عسكري للسلطة، بل أيضاً بسبب نظام سياسي هش يفتح لهم الطريق. ضعف المؤسسات، وغياب الدستور المستقر، وانقسام القوى المدنية، كلها عوامل تجعل من التدخل العسكري نتيجة شبه طبيعية. وكما تحذر هانا آرنت، فإن الفراغ السياسي حين لا يُملأ بمؤسسات قوية، تملؤه القوة. وهكذا تتكرر الدائرة: ثورة تُسقط نظاماً، مرحلة انتقالية مرتبكة، صراع مدني بلا رؤية، ثم عودة العسكر.
لقد كشفت انتفاضة أبريل 1985، ثم ثورة ديسمبر 2018، ذروة هذا التناقض. ففي الأولى، لم تُبنَ ديمقراطية قادرة على حماية نفسها، مما مهّد الطريق لانقلاب انقلاب 1989 . وفي الثانية، بلغ الحلم مداه، وبدت لحظة التغيير ممكنة كما لم تكن من قبل، لكن سرعان ما انكشفت الفجوة بين الشارع والنخبة، بين الشعارات والواقع، بين التضحيات والنتائج. لم يكن الانكسار حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة لمسار لم يُؤسس على قواعد صلبة. وعندما انهارت الشراكة السياسية بانقلاب علي التحول الديمقراطي لم تنهَر فقط سلطة انتقالية، بل انكشفت هشاشة الدولة نفسها، لينفتح الباب على ما هو أخطر: حرب تهدد وجودها.
اليوم، ونحن نقف على أطلال وطن ينزف، لم يعد السؤال عن فشل انتفاضة أو تعثر انتقال، بل عن مصير دولة كاملة. السودان يواجه لحظة وجودية غير مسبوقة، حيث لم تعد الأزمة سياسية فقط، بل أزمة تأسيس تمس معنى الدولة ذاته. ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن فعله الآن هو الهروب من الأسئلة الكبرى، أو انتظار انتفاضة جديدة بالأدوات نفسها المجربة التي قادت إلى هذه النهايات.
الحقيقة التي يجب مواجهتها أن إسقاط الأنظمة الاستبدادية مهما كان عظيماً، ليس كافياً. الثورة فعل ضروري، لكنها لا تُغني عن السياسة، ولا يمكن أن تحل محل بناء الدولة. ما يحتاجه السودان اليوم ليس انفجاراً جديداً في الشارع، بل تحولاً عميقاً في العقل السياسي: مشروع وطني يعترف بالتنوع، يقوم على اللامركزية، ويؤسس لجيش مهني خارج السياسة، ويحقق عدالة تاريخية تنصف المظلومين، ويُبنى على التوافق لا الغلبة. دولة تُصاغ بالمؤسسات لا بالشعارات، وبالتنازلات الكبرى لا بالانتصارات المؤقتة.
في ذكرى السادس من أبريل، لا يكفي أن نستعيد لحظات المجد، بل يجب أن نمتلك شجاعة السؤال: لماذا نعجز عن بناء ما بعده؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي الحد الفاصل بين شعب يعيد إنتاج مأساته، وشعب يبدأ أخيراً في كسرها.
الخلاصة التي لا مفر منها أن السودانيين لم يفشلوا يوماً في إسقاط الطغيان، لكنهم، حتى الآن، لم ينجحوا في حماية لحظة الانتصار. وإذا استمر هذا النمط، فإن كل “أبريل” قادم لن يكون بداية خلاص، بل تكراراً لدائرة مغلقة: ننتصر في الشارع… ثم نخسر الدولة.




( ننتصر في الشارع و ننهزم في الدولة ) السبب الرئيسي في ذلك ( النكب ) السياسية و أحزابهم المنكوبة فجميعهم منافقون