مقالات وآراء

وراثة “جرائم” الدولة المهدية وتوظيف الماضي في حرب حواضن “الجنجويد” (Inherited Guilt)

في هذا الزمن الكالح، المثقل بالبؤس والألم، لم يعد استدعاء التاريخ فعلاً بريئاً، ولا محاولة للفهم أو الاتعاظ.
صار عند البعض سلاحاً صدئاً يتم إشهاره في وجه الحاضر، وأداة انتقائية لاتهام من يُراد اتهامه، لربط دم طازج بجريمة بائدة حوتها صفحات التاريخ، وكأن خراب الحاضر يحتاج إلى سند من الماضي ليُشرعن ويتم دمغ الآخرين بجريرة جرائم الأمس.
بلهجة تقريرية لا تقبل النقاش، يُقال لنا: ما يحدث اليوم قد حدث من قبل، بالتفاصيل ذاتها، وكأن المخرج هو ذاته.
هنا يتجلّى ما يمكن تسميته بـ Historical Dogmatism؛ أي تحويل التاريخ إلى يقين مغلق، لا يُقرأ إلا بوصفه نبوءة تتكرر، لا تجربة إنسانية قابلة للفهم والتجاوز.
وكأن التاريخ آلة نسخ رديئة، تعيد إنتاج المأساة بلا وعي ولا اختلاف، وكأننا محكومون بدائرة جهنمية لا فكاك منها.
يقولون، بثقة يَعوزها الدليل: أليس “جنود الجنجويد” اليوم هم جنجويد الأمس؟
أليست السحنة ذاتها، والجغرافية ذاتها، واللغة ذاتها والقسوة ذاتها؟
ألم تقع الاغتصابات في عهد الدولة المهدية كما تقع اليوم، حذو النعل بالنعل؟
هكذا يُصاغ الأمر على نحو يوحي بأن الذنب جماعي (Collective Guilt)، وأن الإدانة تقوم على مجرد الانتماء القبلي (Guilt by Association)، وأن استدعاء الماضي يضاعف وطأة جرائم الحاضر أو يرسّخ لها عاراً أبدياً.
هذا نمط من التفكير التاريخي يعرف علمياً باسم presentism، أي استخدام الماضي لتكثيف أو تضخيم الأحكام الأخلاقية على الحاضر وكأن الأحداث مرتبطة حتماً عبر الزمن.
كأن ربط الاغتصاب بتاريخ مضى يزيد بشاعته، أو يرفع من صراخ الضحايا اليوم، أو ينقل مسؤوليته من راهن اللحظة إلى ظلال التاريخ.
ما نود قوله، وبلا مواربة، لكل من يتبنى هذا التفكير الانتقائي البائس: نحن جميعاً مسؤولون عن هذا الوطن، كلٌّ بقدر فعله أو صمته.
وحتى لو صحت بعض الروايات التاريخية، فعلينا أن نتذكر أن معظمها تمت كتابته بأقلام المستعمر الغاشم، لا بحثاً عن الحقيقة، بل لتشويه خصومه وتبرير احتلاله لأرض الغير.
فالتاريخ كما نعلم تمت كتابته بقلم ونوايا المنتصر، لا بسرديات المؤرخ المحايد العادل؛ وهنا يتجلى ما يسميه الباحثون Historiographical Bias، أي انحياز كتابة التاريخ وخضوعه لأجندات القوة المهيمنة.
ثم إن كثيرا مما يُتداول ليس تاريخاً موثقا، بل روايات مشافهة، وأدب حبوبات، وحكايات “قال جدي” و“حكت لي حبوبتي”، تتشابه حد التطابق، كأن الرواة جميعهم ينحدرون من جد واحد.
وحبوبة خصبة انجبت الجميع.
لكن وحتى لو افترضنا صحة كل ذلك هل يعني هذا أن الجرائم التي تُرتكب اليوم لها صلة بما مضى؟
وهل هذا الربط له ما يبرره رغم اختلاف الزمان؟
وهل تكرار الجريمة في الماضي يجعل منها فعلاً جرمياً متطابقاً في الأركان والقصد الجنائي في الحاضر ربطاً بقاعدة البينات المتشابهة في القانون؟
“Similar Fact Evidence”
وهل نحن أمة يُغتصب نساؤها في كل جيل، ثم نصمت منكسرين لأن “هذا حدث من قبل”؟
ما يحدث اليوم لا يشبه أي رواية تاريخية.
نحن لا نتحدث عن أخبار صفراء في كتب قديمة، ولا عن أحاجي مسائية أو “غلوتيات” “حجيتكم ما بجيتكم” لمداعبة وإرهاق خيال الجُهال ليخلدوا للنوم.
نحن نتحدث عن صرخات نسمعها، وعن أنين نحسه في أجسادنا.
عن نساء نعرف أسماءهن وملامحهن.
عن بيوت نُهبت، وقرى أُحرقت قصفاً بالطيران، وأطفال تيتموا، وشباب ركبوا قوارب الموت ورحلوا بلا وداع ولن يعودوا أبداً، ومرضى ماتوا لأن الدواء لم يصل أو الطيب نفسه قتل، وتم قصف مشفاه وتدميره.
فلماذا نصرّ على دفن رؤوسنا في الماضي؟
ولماذا نختبئ خلف التاريخ هربا من مواجهة مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه الحاضر؟
نقولها بكل بوضوح: لا يهمنا إن وقعت الجريمة قبل قرن أو حدثت في راهن اللحظة.
الجريمة هي الجريمة، لا يتغير جوهرها بتقادم الزمن.
والضحية لا تنتظر منا دروسا في التاريخ، بل تنتظر عدالة، وإنصافاً، وقصاصاً عادلاً.
كفّوا عن الاحتماء بالتاريخ وكأنه نص مقدّس.
أنتم لا تستندون إلى الماضي، بل إلى رواية كُتبت بأقلام بشرية لها نزعاتها، خاضعة للانتقاء والحذف والتأويل.
الماضي حقيقة وقعت وانتهت، أما التاريخ فمنتج فكري يُعاد تشكيله وفق أهواء من يدوّنه ومصالح من يمليه.
فلا ترفعوا السرديات إلى مقام الوقائع، ولا تجعلوا من نصوص بشرية ميزاناً للحقيقة المطلقة.
من يخلط بين الماضي والتاريخ لا يدافع عن الحقيقة، بل عن الرواية التي تريحه.
ومع ذلك فإن استدعاء التاريخ ليس خطيئة في حد ذاته.
الخطيئة تبدأ حين يتحول إلى أداة لما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ historical grievance politics، أي توظيف مظالم الماضي لدمغ الآخرين، أو لتحميل مجتمعات بأكملها وزر جرائم حُبست في زمانها ومكانها، وترسيخ فكرة collective guilt التي تُدين الأحياء بذنوب الأموات.
عندها لا يعود التاريخ مصدر فهم، بل يصبح وقوداً للكراهية وتصنيف الناس وفق أنساب أسلافهم، أي بلغة “الفرنجة” politics of resentment.
نحن لسنا أسرى الماضي ولا رهائن سردياته.
نحن أحرار، نكتب تاريخنا الآن بوعي ومسؤولية، لا بتزوير أو انتقام، حتى لا نورّث أبناءنا مغالطات عقيمة وصراعات بلا نهاية.
إذا أردنا وطنا يسوده السلام، فعلينا أن نواجه الحاضر بشجاعة، لا أن نهرب إلى الماضي ونلوّح به كلما أعيتنا الحقيقة.
فلنكن واضحين، لن تتغير طبيعة الجريمة لأنها تكررت.
ولا أحد يقبل تبرير الانتهاك (Moral Justification of Crimes)، لا باسم التاريخ، ولا السياسة، ولا الدين، ولا أي راية.
العدالة لا تعرف الانتقائية، ولا تسقط بالتقادم.
والكرامة لا تُقاس بتقويم هجري أو ميلادي، ولا بتاريخ فارسي أو يهودي أو بوذي.
كل ضحية هي أختنا، وأمنا، وبنتنا.
وكل مغتصب مجرم، أياً كانت قبيلته أو زيه أو شعاره.
فالمجرم لا قبيلة له.
أما إعادة تدوير التاريخ في طقوس كربلائية، لتغذية مشروع سياسي انفصالي أو أخلاقي زائف، فذلك ما لا يستقيم عقلاً.
ومن يبني موقفه من الآخرين على رواية غير ممحصة، عليه أن يتفقد عقله… فربما سكن الفراغ مكانه.

‫3 تعليقات

  1. تاريخ المهدية غير بعيد! وقد كتب بعضه بأقلام أنصار شاركوا في حركة المهدية! مثل : بابكر بدري! وهو قد بايع المهدي شابا و حافظا للقران! وقد ذكر حوادث مشابهة لما فهله جنجوبد البوم في كل مكان..من الخرطوم إلي الجزيرة و دارفور..ذات الأفعال…
    عندما غادرت أم درمان إلي الجزيرة ،ظللت أحذر الناس ،بأن الجنجويد ،سيأتون إليهم ،طما أتي أسلافهم من الجهادية.فهم الآن تحملهم تاتشرات سريعة و كان سلفهم يتحركون بالخيول والحمير و الجمال..ومن المدهش كانوا يأخذون الحمير الجيدة من أصحابها،كما يأخذ أحفادهم فتره العربات…و يذلون الجميع..و يبحثون عن القروش و الذهب… تماما كأسلافهم…
    عليك بقراءة حياتي لبابكر بدري…

  2. نحن لم نقرأ التاريخ من نعوم شقير ولا سلاطين باشا ولم نسمعه من روايات معنعنه ( فلان عن فلان ) ولكننا سمعناها من أُناسٌ كانوا شهود عيان على تلك الحقبة المظلمة في تاريخ السودان وهي فعلاً احداث متطابقة وأفعالٌ يشبه بعضها بعضاً مما يجعل كلما درسناه عن تاريخ المهدية هو عبارة عن تاريخٌ مما يجعلنا نقول للبروفيسور محمد ابراهيم ابوسليم الله يسامحك .

  3. تاريخنا بالفعل كتبه قلم مخابرات الجيش المصري نعوم شقير وابناء نخب الجلابه احفاد الغزاة المصريين اعداء المهدية ولذلك يظهر تحاملهم علي اهل الهامش بالعموم واهل الغرب بالخصوص جليا كما هو في تعليقي ابن كوش واحمد علي السر اعلاه..
    اولا المهدية كفكرة جاءت من الشمال ومؤسسها المهدي دنقلاوي ولكن لأنه ينحدر من الشمال اساس العنصرية والجهويه فهو براء من كل جرائم المهدية و كذلك ابناء عمومته الذين تسموا بالاشراف وكانوا ينازعون الخليفة عبدالله علي الخلافة حتي اواخر ايام المهديه!
    يتغاضي مؤرخي الجلابه وحفدة المصريين عن حقيقة ان المهدية كانت تضم الشرق كله تحت راية الامير عثمان دقنة والشمال تحت راية الامير عبدالرحمن النجومي والامير عبدالله ود سعد والامير محمد شربف والامير الزاكي طمل من منطقة القلابات وغيرهم مثل الامراء عبدالله محمد وعلي الحلو وغيرهم وجميعهم لا ينتمون للغرب ولكن يصر احفاد الغزاة الصاق التهم والفظاعات بالخليفة التعايشي والامراء الذين ينحدرون من الغرب فقط والاسباب مفهومه تماما لأنهم ببساطة هم احفاد الغزاة المصريين والاتراك ووعملائهم ويحملون الثورة المهدية زوال حكم اولياء نعمتمهم وطردهم من السودان..
    هذا من جانب، ومن الجانب الاخر، لا توجد اي اسانيد لأغلب الروايات التي يروج لها احفاد الغزاة عن بطش المهدية بأجدادهم واغتصاب حبوباتهم سوي مصادارهم الشفهيه التي استقوها حبوباتهم واجدادهم وكذلك من ضباط مخابرات الجيش المصري امثال نعوم شقير وسلاطين باشا، وقد رأينا كيف يختلق احفاد الاستعمار القصص وسيناريوهات الاغتصابات في حرب الكيزان الحالية وكيف يتباري اعلامييهم وصحافتهم وقوناتهم واجهزة مخابراتهم وامهم في اخراج قصص لا يصدقها عقل مثل قصة الدعامي الذي اغتصب الام وبناتها الخمسة وحبلن منه جميعا وكذلك المرأة التي تناوب علي اغتصابها كم دعامي يشاركهم كلبهم في الاغتصابات وقصص اغتصاب الاف النساء والفتيات في الجزيره وغيرها من اكاذيب يندي لها الجبين! وكل ذلك فقط بغرض تشويه سمعة الدعم السريع!
    بإختصار الجلابه احفاد وعملاء المستعمر يستخدمون نسائهم واعراضهم ويزورون التاريخ منذ زمن المهدية وحتي اليوم بنفس النسق وذات الطريقة والادوات وذات الاهداف الرخيصه! والله انهم بئس الرجال الذين يبحثون عن انتصارات دعائية واعلامية سياسية علي حساب شرف نسائهم وامهاتهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..