مقالات وآراء

حين تتحول الشاشات إلى مرايا مكسورة: في أخلاقيات الحضور الرقمي ومسؤولية الجمال

م. معاوية ماجد

لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات للترفيه أو فضاءات جانبية لتبادل الأخبار، بل أضحت في زمننا هذا ساحة مركزية لتشكيل الوعي العام، وبناء الصورة الذهنية للأفراد والمجتمعات، وصناعة السمعة الثقافية للأمم. لقد تحول الفضاء الرقمي، بما يتيحه من سرعة انتشار غير مسبوقة، إلى قوة ناعمة لا تقل أثرا عن المؤسسات التقليدية في التعليم والإعلام، بل ربما تجاوزتها من حيث القدرة على الوصول المباشر إلى الجمهور، والتأثير في سلوكه وذائقته ومفاهيمه. وفي هذا السياق، لم تعد المسؤولية الأخلاقية تجاه ما ينشر ويتداول مسألة فردية محضة، بل غدت مسؤولية جماعية تتصل بسمعة المجتمعات وهويتها الثقافية ومكانتها الرمزية بين الأمم.

فالسوشيال ميديا، بوصفها منظومات تفاعلية تتيح للأفراد والمؤسسات إنشاء المحتوى وتداوله بمختلف أشكاله من نصوص وصور ومقاطع مرئية، لم تنشأ في الأصل لتكون منصات للفوضى أو ساحات لتصدير القبح، وإنما لتكون أدوات لبناء العلاقات الإنسانية، وتعزيز المعرفة، وتبادل الخبرات، وتحقيق الانتشار الإيجابي للأفكار والمبادرات. غير أن ما تشهده هذه المنصات في بعض السياقات، ولا سيما فيما يتعلق ببعض المحتويات التي ينتجها أفراد من أبناء المجتمع السوداني في هذه المرحلة، يكشف عن انحراف مؤلم عن هذه الغاية النبيلة، ويطرح تساؤلات عميقة حول حدود الحرية الرقمية، ومسؤولية الانتماء الوطني، وأخلاقيات الظهور العام.

إن ما يبث في هذه الأيام من محتويات يغلب عليها السفه والانفلات السلوكي، وما يجري تداوله في بعض الغرف المغلقة وخلف الكواليس من ممارسات تتنافى مع القيم المهنية والأخلاقية، لا يمس الأفراد المعنيين وحدهم، بل يتجاوزهم ليصيب صورة الوطن في عمقها الرمزي. فالدول لا تعرف بحدودها الجغرافية وحدها، وإنما بما يقدمه أبناؤها من سلوك وصورة وخطاب.

وحين يصدر القبح بوصفه محتوى، ويعرض الابتذال بوصفه ترفيها، فإن المتلقي الخارجي لا يرى فردا معزولا، بل يرى انعكاسا لما يظنه ثقافة جمعية أو سلوكا عاما، وهنا تكمن خطورة الظاهرة واتساع آثارها.
وتزداد خطورة الأمر حين يكون بعض المنخرطين في هذا السلوك ممن ينتمون إلى القطاع الفني، وهو قطاع تاريخيا ينظر إليه بوصفه حاملا لرسالة الجمال، ومرمما للتشوهات النفسية والاجتماعية، ومعبرا عن القيم الإنسانية في أبهى صورها.

فالفن في جوهره ليس ترفا جماليا فحسب، بل هو أداة تهذيب ووعي وإصلاح، ومجال ينتظر من أهله أن يكونوا قدوة في السلوك كما هم قدوة في الإبداع. وحين ينحرف بعض المنتسبين إليه عن هذا الدور، فإن الضرر لا يقف عند حدود الإساءة الشخصية، بل يمتد ليصيب صورة الفن ذاته، ويهز ثقة المجتمع في قدرته على أداء رسالته الحضارية.

إن ما يحدث خلف الكواليس من ممارسات لا تليق بقيمة الفن ولا بمكانة الفنان، يمثل ضربا مباشرا في صميم الرسالة الجمالية التي يفترض أن يحملها هذا القطاع. فالفنان، بحكم موقعه الرمزي، لا يحاسب على أدائه الفني وحده، بل على حضوره الاجتماعي وسلوكه العام، لأن الجمهور لا يفصل بين العمل وصاحبه، ولا بين الصورة الإبداعية والصورة الشخصية. ومن هنا فإن كل سلوك مشين يصدر عن فرد محسوب على هذا القطاع يتحول، في وعي المتلقي، إلى تشويه لصورة الفن برمته، وإلى طعن غير مباشر في مصداقيته الأخلاقية.

وفي مثل هذه الحالات، لا يعود الصمت خيارا مقبولا، ولا تصبح المعالجة الفردية كافية لاحتواء الظاهرة. إن المسؤولية المؤسسية، وعلى رأسها مسؤولية اتحاد الفنانين، تبرز هنا بوصفها ضرورة لا ترفا. فالاتحادات المهنية لم تنشأ لتكون كيانات شكلية أو منصات احتفالية، وإنما لتكون أطرًا تنظيمية تضبط السلوك المهني، وتحمي سمعة المهنة، وتدافع عن قيمها ومعاييرها. ومن ثم فإن التدخل الحازم والمنهجي من قبل هذه المؤسسات يمثل خطوة أساسية في إعادة ضبط المشهد، ومنع تفاقم الفوضى التي بدأت ملامحها تتسلل إلى الفضاء العام.

ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على العقوبات أو الإجراءات التأديبية فحسب، بل يمتد إلى بناء الوعي وتعزيز الثقافة السلوكية لدى المنتسبين إليها. ومن هنا تبدو فكرة تنظيم محاضرات دورية يشارك فيها متخصصون في مجالات علم النفس والسلوك الإنساني خطوة بالغة الأهمية، لأنها تسهم في ترسيخ مفاهيم المسؤولية الفردية، وتوضح أثر السلوك الشخصي في الصورة الجمعية، وتمنح الأفراد أدوات عملية لفهم ذواتهم وإدارة حضورهم العام بصورة أكثر اتزانا ووعيا. فالتقويم السلوكي ليس عقوبة بقدر ما هو عملية بناء وإصلاح، تهدف إلى تحويل الفنان إلى سفير حقيقي لقيم الجمال التي يحملها.

إن الثقافة السلوكية، في جوهرها، ليست معرفة نظرية مجردة، بل هي وعي مستمر بحدود الفعل وأثره، وإدراك عميق بأن الحرية لا تكتمل إلا بالمسؤولية. وكان الأولى بمن يسيئون إلى أنفسهم وزملائهم ومؤسساتهم أن يمتلكوا قدرا من الثقافة العلمية والسلوكية التي تحول بينهم وبين الوقوع في مثل هذه الأفعال المهينة. فالإساءة هنا ليست موجهة إلى الذات وحدها، بل تمتد لتطال زملاء المهنة، والمؤسسة التي تمثلهم، والمجتمع الذي ينتمون إليه، وهو ما يجعلها إساءة مركبة تتعدد مستوياتها وآثارها.

إن الفضاء الرقمي، على اتساعه، يشبه مرآة كبرى تعكس ما يوضع أمامها دون زيادة أو نقصان. فإذا وضع أمامها الجمال، عكسته مضاعفا، وإذا قدم إليها القبح، نشرته بلا رحمة. ومن هنا فإن مسؤولية صيانة الصورة العامة لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الفرد والجماعة، بين الفنان والمؤسسة، بين الحرية والانضباط. فكل منشور، وكل ظهور، وكل كلمة تقال في هذا الفضاء، تتحول في لحظة إلى وثيقة دائمة لا يمكن استردادها بعد انتشارها.

وفي ختام هذه المعالجة، يتبدى أن ما نواجهه اليوم ليس مجرد تجاوزات عابرة في فضاء افتراضي، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضجنا الثقافي، وقدرتنا على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين التعبير والإساءة، وبين الحضور والتشويه. إن الأوطان لا تهزم فقط في ميادين الحرب، بل قد تصاب في صورتها حين يتخلى أبناؤها عن مسؤولية تمثيلها تمثيلا يليق بتاريخها وقيمها. ولذلك فإن تحرك المؤسسات المهنية، وعلى رأسها اتحاد الفنانين، لم يعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة عاجلة لحماية ما تبقى من صورة الجمال، واستعادة الثقة في رسالة الفن، وصون ملامح وطن كبير بإنسانه، يستحق أن يقدم إلى العالم بوجه يليق به، لا بمرآة مكسورة.

م. معاوية ماجد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..