مقالات وآراء

ليس مشروعًا إسلاميًا: تفكيك الوهم ومعنى الدِّين في تجربة الحكم بالسودان

✍ عبدالحافظ سعد الطيب

القصص في القرآن ليست مجرد حكايات للتسلية، بل هي للعبرة والهداية والتثبيت والتحدي والتحذير والتذكير
وقصة قوم لوط تُقدَّم في الرواية القرآنية كنموذج لـ الانحراف الأخلاقي والفساد في الأرض ورفض الإصلاح رغم تكرار الدعوة والتحذير، ولذلك تُذكر للعظة والتنبيه من عواقب الإصرار على الفساد ومخالفة الفطرة.
هذا التنظيم
لم يكن مشروعًا إسلاميًا من الأساس.
وما حدث ليس انحرافًا عن الدين، بل انفصالًا عنه،
وما يستمر اليوم ليس مجرد سلطة، بل إدارة للانهيار الأخلاقي كأداة حكم.

الخطأ الأكبر في توصيف ما جرى في السودان هو إطلاق صفة “مشروع إسلامي” على تجربة لا تمتّ إلى الإسلام ولا لكل الاديان بصلة.
هذه ليست مسألة موقف سياسي أو أخلاقي فقط، بل مسألة تعريف ومعنى:
هل كل من رفع شعار دين والإسلام يُصبح مشروعه ديني إسلاميً؟ أم أن هناك معايير لا يُمكن تجاوزها دون سقوط الصفة نفسها؟
للإجابة، لا بد أولًا من ضبط مفهوم الدِّين.
▪ ما هو الدِّين؟
الدِّين في أصله ليس مجرد عبادات أو طقوس، بل هو:
نظام حياة يقوم على الخضوع لمرجعية، مع وجود حساب وجزاء.
وبهذا المعنى، يشمل الدِّين:
الأخلاق
القوانين
السلوك
وطريقة العيش كاملة
وحين يُذكر “يوم الدين”، فالمقصود ليس يوم العقيدة، بل:
يوم الحساب والجزاء وفق نظام عادل.
إذًا، الدِّين في جوهره هو:
خضوع ل نظام ل التزام ل حساب وجزاء
ومن هنا نفهم العلاقة بين “الدِّين” و“المدينة”:
فالمدينة ليست مجرد مكان، بل فضاء للنظام والحكم، أي تجسيد عملي لفكرة الدِّين كنظام ينظم حياة الناس. عكس القرية
إسقاط المفهوم: لماذا ليست تجربة دينية؟
إذا طبقنا هذا التعريف على التجربة التي حكمت السودان، تتضح الحقيقة بجلاء:
أين النظام، وقد ساد التفكيك والعبث؟
أين العدل، وقد انتشر الظلم؟
أين الالتزام، وقد عمّ الفساد؟
أين الحساب، وقد غابت المحاسبة؟
ما ارتبط بهذه التجربة من قمع، وبيوت أشباح، وسفك دماء، ونهب للموارد، لا يمكن وصفه بأنه “انحراف داخل مشروع ديني”، لأن الانحراف يفترض أصلًا سليمًا.
أما حين يصبح الظلم منهجًا، والفساد قاعدة، والحرب أداة لإعادة إنتاج السلطة، فنحن أمام شيء آخر تمامًا:
سلطة استخدمت الدين كغطاء، لا مشروعًا دينيًا.
امتداد التجربة: من السلطة إلى تفكيك الأخلاق
ما يجري اليوم ليس منفصلًا، بل امتداد مباشر لنفس التجربة، لكنه أكثر تعقيدًا وخطورة.
لم تعد السلطة تكتفي بالقمع أو التحكم السياسي، بل انتقلت إلى مستوى أعمق:
استهداف البنية الأخلاقية للمجتمع بصورة ممنهجة.
هناك عمل مستمر على تفكيك ما تم بناؤه من قيم:
تشويه المعايير
تسطيح الوعي
تطبيع الانحطاط
وفي هذا السياق، تلعب المنصات الرقمية وخوارزمياتها دورًا محوريًا، حيث يتم تضخيم التفاهة، وتقديم المحتوى الهابط، وإشغال الجماهير بصراعات هامشية، بما يصرف الانتباه عن الأسئلة الحقيقية.
لم يعد الإلهاء مجرد نتيجة، بل أصبح أداة ضمن بنية السيطرة:
كلما انشغل الناس، تراجعت قدرتهم على الفهم والمحاسبة، وسهل إعادة إنتاج نفس المنظومة.
إنها عملية مزدوجة: تفكيك الداخل (الأخلاق والوعي) + تشتيت الانتباه (الإلهاء المستمر)
والنتيجة: مجتمع مُنهك، أقل مقاومة، وأكثر قابلية للهيمنة.
سقوط ما قبل الدين: انهيار المعيار الإنساني
حين تُستباح القيم الأساسية—الصدق، الكرامة، المسؤولية—فنحن لا نتحدث فقط عن فشل سياسي، بل عن انهيار في المعيار الإنساني نفسه.
لقد قال النبي الخاتم، محمد:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
هذا يضع الأخلاق في مركز الرسالة، لا على هامشها.
وعليه، فإن أي تجربة تُنتج نقيض الأخلاق لا يمكن نسبتها إلى الدين، بل هي خروج عنه من جذوره.
في السودان، لم يعد الأمر بحاجة إلى تنظير.
التجربة نفسها كشفت حقيقتها:
سقوط في اختبار الإنسانية قبل الدين.
بعد اجتماعي مسكوت عنه: تفكك القيم داخل البنية ذاتها
لا يقتصر أثر هذه التجربة على المجال السياسي، بل يمتد إلى داخل بنيتها الاجتماعية نفسها.
فهناك مؤشرات على تفكك قيمي داخل بعض الدوائر المرتبطة بها: توترات أسرية، صراعات هويات، وسلوكيات متناقضة مع الخطاب المُعلن.
في السنوات الأخيرة، برزت—خاصة عبر الفضاء الرقمي—مواد وشهادات منسوبة لأبناء وبنات شخصيات نافذة، تعكس حالات تمرّد أو قطيعة مع البيئة التي نشأوا فيها. بعض هذه الحالات اتخذ شكل مواقف فكرية حادة، أو سلوكيات صادمة، أو بحث عن تعريف جديد للذات.
دلالة هذه الظواهر لا تكمن في الحكم على الأفراد، بل في قراءة السياق الذي أنتجها:
بيئة تقوم على ازدواجية بين خطابٍ معلن وقيمٍ مُمارسة، وبين تشددٍ ظاهري وتآكل داخلي.
وهكذا، لا تبدو هذه الحالات “انحرافات فردية” بقدر ما هي:
أعراض لتناقض بنيوي داخل المنظومة نفسها.
مراجعات من الداخل… لم تغيّر المسار
ولم يأتِ النقد من الخارج فقط، بل من داخل التجربة نفسها.
فقد عبّر حسن الترابي، وهو أحد أبرز منظّريها، عن صدمته من مآلاتها، وطرح نقدًا علنيًا لها.
لكن هذا النقد لم يتحول إلى مراجعة حقيقية، لأن المشكلة لم تكن في التفاصيل، بل في طبيعة السلطة نفسها، التي قامت على التمكين لا على القيم.
الخلاصة الحاسمة
إن الإصرار على تسمية هذه التجربة “مشروعًا إسلاميًا” هو تضليل للمفاهيم.
لأن الدِّين—في جوهره—نظام عدل وأخلاق ومحاسبة، لا أداة للبطش والفساد.
وما نراه اليوم ليس فقط سلطة بلا دين،
بل منظومة تعمل على إضعاف الأخلاق نفسها كشرط لبقائها.
فحين تسقط المعايير، يسهل تمرير كل شيء.
وحين يُدفن الوعي تحت ركام الإلهاء، يُعاد إنتاج الواقع مهما بلغ فساده.
لذلك، فإن التوصيف الأدق ليس:
“مشروع إسلامي فشل”
بل:
لم يكن مشروعًا إسلاميًا من الأساس.
وما حدث ليس انحرافًا عن الدين، بل انفصالًا عنه،
وما يستمر اليوم ليس مجرد سلطة، بل إدارة للانهيار الأخلاقي كأداة حكم.ولوانطبقت السماء مع الأرض لن يعودوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..