
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
صدق الله العظيم
ببالغ الحزن والأسى تلقيت يوم الخميس التاسع من أبريل نبأ رحيل المغفور له بإذن الله، الأخ العزيز الفاتح علي صديق، أحد أبرز الاقتصاديين وصنّاع السياسات في الخدمة العامة بالسودان على مدى أكثر من أربعين عاماً. فقد السودان، في الأيام القليلة الماضية، أحد خيرة أبنائه في مجال الاقتصاد والخدمة العامة، برحيل الفقيد بعد مسيرة حافلة بالعطاء المهني والوطني. ويُعد الراحل من كبار الكفاءات التي عملت في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، حيث ارتبط اسمه لعقود بإدارة السياسات الاقتصادية في فترات دقيقة من تاريخ البلاد.
بدأ الفقيد مسيرته المهنية في ثمانينيات القرن الماضي فى وزارة المالية والتخطيط الاقتصادى، وتدرّج في مواقعها المختلفة حتى بلغ منصب وزير دولة للمالية، وهو من أعلى المناصب التنفيذية فيها. وخلال تلك المسيرة الطويلة، تميّز بقدرات تحليلية رفيعة، وبفهم عميق لبنية الاقتصاد السوداني ومؤسساته، مما جعله مرجعاً أساسياً يلجأ إليه المسؤولون والخبراء والدبلوماسيون، محلياً ودولياً، كلما تعلّق الأمر بتفسير تعقيدات الاقتصاد السوداني واستشراف مساراته. كما لعب دوراً مهماً في إدارة علاقات السودان مع شركاء التنمية، خاصة المؤسسات المالية الدولية، وأسهم بفاعلية في مفاوضات اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، حيث قاد فريق الحكومة في ملف اقتسام الثروة، مقدماً إسهاماً نوعياً في معالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مسار التفاوض. ولم يكن عطاؤه محصوراً في سنوات الخدمة الرسمية، بل ظل بعد تقاعده حاضراً بعلمه وخبرته، يقدّم المشورة ويثري النقاش العام حول قضايا الاقتصاد والسياسات العامة.
لقد اختار الفقيد أن يكرّس حياته المهنية لخدمة بلاده من الداخل، في وقتٍ آثر فيه كثير من أقرانه البحث عن فرص عمل مجزية خارجها، فكان بذلك مثالاً نادراً للالتزام الوطني الصادق، يجمع بين الكفاءة الفنية العالية والنزاهة المهنية والاستقامة الشخصية. وبرحيله، يفقد السودان واحداً من أنقى عقول الخدمة العامة وأكثرها إخلاصاً، تاركاً إرثاً مهنياً وإنسانياً سيظل حاضراً في ذاكرة زملائه وكل من عرفه أو عمل معه.
لقد حظيت بمعرفة الفقيد الكبير في العام 1986، عندما عدت من الولايات المتحدة أستاذاً بكلية الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة الجزيرة، وهي الفترة التي تزامنت أيضاً مع عودة عدد من زملائي بالكلية بعد إكمال دراساتهم العليا، الأمر الذي ميّز هذه الكلية الفتية آنذاك بتوفر كادر أكاديمي شاب عالي التأهيل، خاصة في مجالات النمذجة الاقتصادية وتحليل الاقتصاد القياسي ومحاكاة مؤشرات الاقتصاد الكلي والجزئ. وقد أفادنا الفقيد، بصفته مسؤولاً عن إحدى إدارات التخطيط الاقتصادي بالوزارة آنذاك، عند زيارته لنا بمقر الجامعة بالنشيشيبة في ود مدني، بأنه يعوّل على مشاركتنا الفاعلة في إعداد الخطة الاقتصادية للبرنامج الثلاثي الذي اعتمده الدكتور بشير عمر فضل الله، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي في حكومة الديمقراطية الثالثة التي أعقبت انتفاضة مارس-أبريل 1985. وكانت تلك المحطة بداية علاقتي بالفقيد، حيث تعرّفت على اقتصادي رفيع التأهيل – حاصل على درجة الماجستير في التخطيط الاقتصادي والسياسات العامة من إحدى أرقى الجامعات الأمريكية – وذو خبرة عملية مستنيرة وإلمام واسع بالاقتصاد السوداني وقضاياه.
أما المحطة الثانية فكانت في سياق اتفاقية “السلام الشامل” بين حكومة نظام “الإنقاذ” و”الحركة الشعبية لتحرير السودان”، حيث كان الفاتح مديراً للميزانية بوزارة المالية آنذاك، بينما كنتُ – بصفتي مستشاراً في إدارة أبحاث التنمية بالبنك الدولي – عضواً في الفريق الأممي الذي ضم خبراء من الأمم المتحدة والبنك الدولي. وتمثّلت مهمتي في تصميم برامج تدريبية لمنسوبي الحكومة والحركة الشعبية حول نماذج قياس الفقر وتوزيع الدخل وغيرها من قضايا السياسات الاقتصادية العامة. وقد كان الفاتح، ومعه الأخ الصديق الدكتور لوال دينق، يشرفان على تنسيق مشاركة طرفي الحكومة والحركة. وكانت تلك محطة مضيئة ومثلجة للصدر، اجتمع فيها أبناء الوطن الواحد في كينيا الشقيقة، حيث عقدنا عدداً من الورش والمؤتمرات العلمية، أشرف على بعضها – لا سيما تلك المتعلقة بقضايا الفقر وتوزيع الدخل – أستاذنا الراحل البروفيسور علي عبد القادر.
وقد كانت تجربة ثرة، مترعة بآمال عريضة، حيث أصرّ الأخ الدكتور لوال على أن يكون الهدف هو “القضاء على الفقر”، لا مجرد “الحدّ منه”، بينما كنا نحن ندعو إلى ذلك من باب توخّي الواقعية. وكان الأخ الفاتح يحاوره بروحٍ مرحة، قائلاً إنه سيوصي بأن تُسند هذه المهمة المستحيلة إلى جناح الحركة الشعبية في حكومة الوحدة الوطنية المرتقبة. كانت هناك آمالاً عراضاً، رغم وجود دولة “الإنقاذ الكليبتوقراطية”، إذ كان يُرجى أن يُحدِث زخم السلام التشاركي القادم تحولاً طال انتظاره، يحفظ وحدة البلاد ويحقق نهضة شعبها، حتى ولو تم ذلك بمشاركة جزئية من نظام بغيض، تأسياً ببعض تجارب التحول السلمى، مثل ما حدث في نظام بينوتشيه.
غير أن رحيل جون قرنق في حادث الطائرة، ثم تعثّر تنفيذ الاتفاقية، أفضيا إلى مآلات مغايرة، حيث انقسمت البلاد، عوضاً عن مشروع “نظامين في دولة واحدة” المأمول، إلى “دولتين بنظام واحد”.
أما المحطة الأخيرة في علاقتي بالراحل، فكانت عقب ثورة ديسمبر المجيدة، عندما تشرفتُ بتولي منصب وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، حيث لم يبخل الفقيد – ومعه عدد من زملائه، أذكر منهم مكي ميرغني، الذي عمل معي وكيلاً للتخطيط، والفاتح خالد، ونادر ساتي، وحسن جعفر، وآخرون من “أولاد سيد زكي”، وكيل التخطيط الراحل – بالنصح والمشورة. وقد أرست هذه المجموعة، تحت قيادة ذلك الوكيل الهمام، تراثاً مؤسسياً متيناً للتخطيط الاقتصادي في البلاد، رغم ما تعرّض له من تجريف خلال سنوات “الإنقاذ” العجاف.
ألا رحم الله الفاتح علي صديق، فقد كان من أولئك الخبراء وموظفي الخدمة العامة الرفيعين الذين لم تشغلهم الولاءات السياسية أو الأيديولوجية عن التزامهم المهني الصارم، بل سخّروا فكرهم وخبرتهم وجهدهم لخدمة السودان الوطن الواحد. ولهذا لم يستنكفوا العمل في الداخل رغم صعوبة الظروف، حتى في ظل نظام الإنقاذ البائد، على الرغم من أن الفرص كانت متاحة لهم في بلاد الله الواسعة. إن هذا الجيل من رجال ونساء الخدمة العامة هو ملح الأرض الذي لا غنى عنه لإعادة بناء الوطن، بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها، ويستعيد الشعب سيادته، ويمتلك زمام أمره.
تعازينا الحارة لأسرته وأهله وزملائه في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، ولسائر الشعب السوداني، ونسأل الله أن يتقبله مع الصديقين والشهداء في جنات النعيم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ابراهيم البدوى عبد الساتر
مدير منتدى دراسات وبحوث التنمية
وزير المالية والتخطيط الاقتصادى السابق




الوفاء و أهله عملة نادرة في السودان ، شكراً دكتور إبراهيم ، أعطيت الفقيد جزء من حقه و مستحقه .