مقالات وآراء

كيف نحرر التعليم من عجز السياسيين؟

د. محمد عبد القادر سبيل

دعهم في غيهم يعمهون، يتنابزون بالألقاب، ويتربص بعضهم ببعض الدوائر، مدى الحياة، لأن هذه هي السياسة التي خلقوا من أجلها، والوطنية كما فهموها، لا يصرفهم عن ذلك عقل ولا ضمير.
بلد ينتج سنوياً 100 طن ذهباً ولا يستطيع أن يمنح البروفسور مائة دولار راتباً شهريا، وكل هذه الثروة تذهب نهباً للرأسمالية الطفيلية، ورجال الدولة ينتظرون عطايا رجال التجار المقترين، فبربك هل هنالك عجز فوق هذا؟.
إن مثل هذا الوضع في نظري يعد جريمة ينبغي أن يحاكم من أجلها من يتسنم السلطة، كونه يتواطأ مع جلي العوج، ويجاريه، ويمهد له السياسات والقوانين تمهيدا، ألا إنها الخيانة العظمى بحق، ولا نجزم بذلك إلا لأن الحاكم يصر على أن يستمر في السلطة في ظل هذا الفشل، ومهما بلغ السيل الزبى، لكي يستمر معه هذا الجرم المبين، والذي بات يثير سخرية الأمم منا. هل تظنون أن طمع الآخرين في ثرواتنا ناجم عما سوى هذا السفه؟.
فكيف إذا أضفنا إلى الذهب، إهدار ثروات عديدة أخرى، ما تزال تفلت من يد الدولة لصالح التجار وسادتنا يتفرجون، والخبراء والمستشارون يدافعون عن هذا التوجه فيجملونه لمتخذ القرار بمصطلحات الإقتصاد، وغرور الإقتصاد الحر، بل وتتم إقالة إي وزير أو مسؤول يحاول أن يعيد الأمور إلى نصابها والثروة إلى الشعب، وهكذا تتفلت من يد الدولة مليارات الدولارات ما فتئت تجلبها صادرات: الثروة الحيوانية والحبوب الزيتية والصمغ العربي والقطن والذرة والكركدي. كلها محل تفريط وإهدار من جانب دهاقنة الجهاز التنفيذي، إما لأنهم قليلو حيلة، أو أنهم أصحاب مصالح اقتصادية خاصة أو موظفون لدى رجال الأعمال الذين ينهبون كل تلك الثروات.
النتيجة هي جوع الشعب ورداءة الحياة وتردي التعليم العام والعالي، مما أدى إلى هروب أساتذة الجامعات زرافات ووحداناً إلى الخارج، ومن يقل في ذلك (بغم) يقمع ويجهّل، فهل ثمة جريمة متعمدة فوق هذه؟. كل ذلك بفضل السياسيين الكرام، الذين لا يسعنا إلا أن نعذرهم لأنهم منهمكون في الثارات والانتقامات والعمالة الخارجية، تاركين هذا المشهد المخزي لمرحلة ما بعد تصفية الحسابات، وتمر السنون ويزداد الطين بلة بعد بلة، وضغثاً على إبالة.
حسناً، دعونا على الأقل ننقذ التعليم العالي الآن، دعونا نحرره فوراً من هذا العجز المهين، فالتعليم هو المفتاح وعظم ظهر المجتمع، ولو تركنا الأمر للحكومات، باعتبار أن هذا واجبها، فإن (الرماد كال حماد)، ولقد فرطنا حينئذ مثلهم، لذلك فيجب أن نبدأ الآن، من حقيقة مفادها أن البروفسور في السودان يحصل على أقل من مائة دولار راتباً شهريا، لا يكفيه أسبوعاً واحداً لكفالة أسرته، بينما لو عبر البحر الأحمر فسيحصل على خمسين ضعفاً لا أقل. فهل يعجزنا أن نجعل راتبه ألف دولار، في بلد ينتج في الحقيقة 100 طن ذهباً بقيمة 10 مليار دولار سنوياً، ناهيك عما ذكرنا آنفاً من صادرات ذات قيمة. أيُعجِز علماءنا وخبراءنا وحكماءنا أن يفعلوا هذا بقليل من الحكمة، وكثير من العزيمة والجدية؟.
لكي نحقق تلك الغاية، فإننا بحاجة فقط إلى توفير مبلغ ملياري دولار سنوياً تعادل قيمة تصدير 20 طناً فقط من الذهب، فالدولة السودانية لا تستطيع أن تفعل هذا، وحجتها أن التجارة ليست مسؤولية الدولة، وكادرها غير مؤهل لهذا، وتارة تتذرع الحكومة بأن العقوبات الأمريكية تكبلها، ولكن الثابت دائماً هو أن قيادة الدولة ومنذ عهد البشير مروراً بحمدوك، تستسلم لضغوط ذوي النفوذ من رجال الأعمال تارة، وضغوط المستشارين والخبراء المخلصين للشركات ورجال الأعمال.
دعونا نتقدم الآن بهذه المبادرة التي تتغيا إنشاء مؤسسة عامة ولكنها مستقلة لحماية التعليم من هذا التردي والضعف المخيف، وهدف هذه المؤسسة هو الاستحواذ على تصدير 20 طناً من الذهب سنوياً، وتخصيص كامل ريع الصادر لتمويل التعليم العالي أولا ثم التعليم العام، نسبة لخطورة الوضع في التعليم العالي الذي فقد معظم أساتذته الأفذاذ إلى غير رجعة.
عليه نقترح لهذا الغرض إنشاء (مصرف العلم) الوقفي، بعيداً عن تغول الرأسمالية الطفيلية، برأسمال100 مليون دولار، تجمع بالتبرعات المفتوحة من: (المغتربين، وديوان الزكاة، والجهات الأجنبية المانحة، وقبل ذلك من خلال ضريبة رأسمالية استثنائية تفرض على شركات وتجار الذهب الذين استنزفوا هذا المورد النافد طوال سنوات)، على أن يمنح المصرف امتيازات واعفاءات تشجيعية خاصة، تمكنه من استثمار وشراء وتصدير ما لا يقل عن 20 طناً من الذهب سنوياً، بجانب أنشطته الاستثمارية الأخرى.
وتوجه الأرباح السنوية لمصرف العلم لمصلحة مؤسسات التعليم العالي ولتنمية وتطوير التعليم العام، شريطة أن تغل يد الحكومة تماماً عن المساس بهذا الريع مهما زاد، لأن التعليم خط أحمر عند كل الشعوب المحترمة.
ولقد بنينا التقديرات السابقة بناء على المعلومات التالية:
– عدد الجامعات والمعاهد العليا الحكومية في السودان 40 جامعة وكلية.
– عدد أساتذة الجامعات الحكومية 17 ألف استاذا بجانب الموظفين.
– عدد طلاب الجامعات الحكومية الذين يحتاجون لدعم عاجل 300 ألف طالبة وطالبة.
– عدد المدارس الحكومية في المراحل المختلفة 50 ألف مدرسة تقريبا.
– عدد الطلاب بالمدارس الحكومية المختلفة حوالى 17 مليون طالب وطالبة.
– عدد معلمي المدارس الحكومية 300 ألف معلم ومعلمة.
– إجمالي الرواتب السنوية لأساتذة الجامعات الحكومية في حال اعتماد الحد الأدنى 1000 دولار للمحاضر، يبلغ 300 مليون دولار سنويا.
– تكلفة التمويل السنوي لتوفير البيئة الجامعية بالمعايير الدولية في حدها الأدنى 200 مليون دولار.
– التمويل السنوي لتحسين حياة الطلاب بالجامعات الحكومية (سكن وإعاشة وعلاج) 300 مليون دولار.
– إجمالي التمويل السنوي للجامعات وطلابها واساتذتها 800 مليون دولار.
– إجمالي الدعم السنوي المطلوب لمدارس ومعلمي التعليم العام 1.200.000.000 دولار.
(منها 500 مليون دولار لرواتب المعلمين بمتوسط يبلغ 100 دولار للمعلم)
مما سبق نخلص إلى أن مجموع التمويل المرتقب في حده الأدنى لنهضة التعليم وتحريره من العجز الحكومي المزمن والذي سيتصدى له (مصرف العلم) المقترح، يبلغ 2.000.000.000 (ملياري دولار) تعادل قيمة تصدير 20 طناً فقط من حجم صادر الذهب البالغ 70 طناً سنوياً، حسب الاحصاءات الرسمية (عام 2025).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..