مقالات وآراء

لا غالب بيننا إلا الوطن

أحمد الباقر محمد

لا تجمعنا الأرض فقط… بل يجمعنا الوجع الذي مرّ بنا جميعًا،
وتجمعنا الذاكرة المثقلة بما شهدته من حربٍ وإبادةٍ وحرقٍ وتشريد.

لم تكن المأساة حكرًا على جهة،
ولا الألم وقفًا على قبيلة،
ولا الفقد حكاية طائفة دون أخرى…
بل مرّت النار على الجميع،
وتركت في كل بيتٍ أثرًا،
وفي كل قلبٍ ندبةً لا تُنسى.

فكيف لنا—بعد كل هذا—
أن نعود فنصطفّ ضد بعضنا؟
كيف نُحيي بيننا ما لم تستطع الحرب أن تزرعه؟

إن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عنا:
أننا جميعًا كنا مستهدفين…
وأن ما يجمعنا اليوم أكبر بكثير مما يفرقنا.

وطنٌ واحد،
ومصيرٌ واحد،
وأملٌ لا يجوز أن يُجزّأ.

نريد أن نتعايش… لا بشعاراتٍ تُرفع،بل بقلوبٍ تعرف بعضها،وتحسّ ببعضها،
وتحمل عن بعضها بعضًا.

نريد وطنًا لا يُسأل فيه الإنسان: من أي قبيلة أنت؟
بل: ماذا تحمل لهذا الوطن؟
نريد أرضًا تُقاس فيها القيمة بالإنسانية،لا بالجهة،ولا بالاسم،ولا بالانتماء الضيق.

فلنترفّع عن الصغائر،
ولنترك وراءنا كل ما يُعيد إنتاج الألم،
ولنصعد معًا—بهممٍ عالية—نحو ما يليق بهذا الوطن الجريح.

إن الطريق ليس سهلًا،
لكننا لسنا أقلّ قوةً من أن نسلكه،
ولا أقلّ وعيًا من أن ندرك أن الانقسام هزيمةٌ أخرى…
لا نحتملها.

فلنكن يدًا واحدة،
لا لأننا متشابهون،
بل لأننا اخترنا أن نكون معًا.

ولنُقِم هذا التعايش على أساسٍ راسخ:
احترامٍ متبادل،
وصونٍ كاملٍ لحقوق بعضنا البعض،
وعدمِ التعدّي أو التغلّب على الآخر،
وعدمِ استهداف أي مكوّنٍ من مكوّنات هذا الوطن.

دون انتقاص،
ودون استيلاءٍ على أراضي وممتلكات الآخرين،
فذلك خطٌّ فاصلٌ بين وطنٍ يُبنى…
ومسالكَ تُعيد إنتاج المأساة.

ولنُدرك أن ما يميّزنا ليس الصراع،
بل ما نحمله من قيمٍ ضاربةٍ في الجذور،
ومن حضاراتٍ عريقة،
ومن أخلاقٍ تأبى الظلم،
وترفض أن تقوم على أنقاض الآخرين.

فالكل في هذا الوطن له مكوّنه،وعاداته،وثقافته،
وجذوره التي يعتز بها…
لكنها ليست أدواتٍ للتكتّل والإقصاء،
ولا ذرائع لاستهداف الآخرين في وجودهم.

لأن البديل واضح وخطير:
ثقافةُ نهبٍ،
ودوامةُ حربٍ،
لا نهاية لها…
إن لم ننبذ هذا المسلك من جذوره.

وأن نُدرك أن التنوّع ليس خطرًا… بل ثروة،
وأن الخصوصيات ليست سببًا للفرقة… بل مدخلًا للتكامل.
فبذلك وحده تشتدّ اللُّحمة،
ويصلبُ التعايش،
ويقوم وطنٌ لا يقبل القسمة.

وطنٌ تُبنى فيه الدولة على حقيقةٍ لا تُساوَم:
دولةٌ عادلة،
فيدرالية بحق،
يجد فيها كل إنسانٍ مكانه،
وتُصان فيها الحقوق،
وتُحترم فيها الهُوية،
وتُحمى فيها الثقافة،
دون إقصاءٍ… ودون هيمنة.
ولنحفظ لهذا الوطن حقه فينا:
أن نبنيه…
كما صبر علينا.

مع الشكر والتقدير
أحمد الباقر محمد -القاهرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..