كيف تُصنَّع الأنظمة التعليمية مواطنًا لا يفكر واخر إرهابي عنيف ؟
من التلقين إلى إعادة تشكيل الدولة المزرعة

✍ عبدالحافظ سعد الطيب
مقدمة: تدمير ممنهج للعقل قبل بناء الدولة
ما يبدو أنه “تعليم” في كثير من السياقات ليس مشروع معرفة، بل مشروع ضبط اجتماعي طويل المدى. حين تُدار المناهج بوصفها أداة طاعة لا أداة تفكير، يتحول الفصل الدراسي إلى مساحة لإعادة إنتاج الخضوع، لا صناعة الوعي.
وفي السياق السوداني، تتداخل السياسة بالدين بالاقتصاد، فتتكوّن بنية تعليمية مشوهة تُنتج مواطنًا محفوظًا لا مواطنًا مفكرًا.
🔸 أولًا: التلقين كأداة حكم لا كمنهج تعليم
النظام التعليمي القائم على الحفظ:
يقتل السؤال قبل أن يولد
يجعل الامتحان معيار الحقيقة
ويحوّل الطالب إلى نسخة قابلة لإعادة الإنتاج
وهنا يصبح التعليم امتدادًا للسلطة، لا نقيضًا لها.
🔸 ثانيًا: المناهج بين الإصلاح المحدود وصراع الدولة العميقة
في فترة الانتقال، قاد محمد الأمين التوم وعمر القراي عبر المركز القومي للمناهج محاولة لإعادة صياغة تنقيح المحتوى التعليمي. لكنها بقيت محاولة:
بلا حماية سياسية كافية
بلا توافق مجتمعي حقيقي
وبلا مشروع وطني جامع للتعليم
بلا دعوة وإقامة مؤتمر للتعليم وتغيره لازال واجب قائم
وهنا اصطدمت فكرة الإصلاح بجدار الدولة العميقة التي ترى في المناهج “حدود المعركة على الوعي”، لا مجرد كتاب مدرسي.
🔸 ثالثًا: مناهج تحت الحصار — حين يصبح التفكير تهديدًا
الهجوم على أي تغيير في المناهج لم يكن نقاشًا علميًا، بل:
تعبئة دينية
شيطنة سياسية
وتوظيف خطاب التكفير أو التخوين بتجيش إلاميين المتخلفين معقول فضيل يتكلم عن التعليم
وهكذا يُغلق باب النقاش، ويُستبدل بالحسم الأيديولوجي.
🔸 رابعًا: التعليم المجاني الذي تآكل بصمت
مجانية التعليم، بوصفها ركيزة دولة العدالة، تعرضت لتفكيك تدريجي:
تقليص التمويل العام
توسع التعليم الخاص
وتحويل التعليم إلى سلعة
النتيجة المباشرة:
إعادة إنتاج الفقر داخل النظام التعليمي
وانسحاب الدولة من ضمان تكافؤ الفرص
🔸 خامسًا: خصخصة التعليم — إعادة تشكيل المجتمع طبقيًا
خصخصة التعليم لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل أداة لإعادة توزيع المجتمع:
🔸 تعليم للنخبة الطفيلية قادر على الدفع
🔸 وتعليم للفقراء ديني محدود الأفق ينتج شبكات عنف
🔸 وتراجع المدرسة الحكومية كمركز أساسي للعدالة
💢 هنا لا يعود التعليم مساحة مساواة، بل يصبح آلية فرز اجتماعي صارمة.
💥 سادسًا: التعليم الديني كمسار بديل للفقر
مع تآكل التعليم العام:
يتجه الفقراء إلى مسارات تعليمية أقل تمكينًا
وتتوسع الفجوة المعرفية
ويعاد إنتاج عدم المساواة بشكل مؤسسي
وهكذا يصبح الفقر ليس اقتصاديًا فقط، بل معرفيًا أيضًا.
💥 سابعًا: شهادات بلا ضمانة — اهتزاز القيمة الأكاديمية
تآكل الرقابة المؤسسية وغياب الاستقرار أنتج أزمة ثقة:
في جودة بعض المخرجات التعليمية
وفي معنى الشهادة نفسها
وفي العدالة داخل النظام الأكاديمي
وهذا يعكس أزمة أعمق: انهيار الثقة في “الدولة التعليمية”.
ثامنًا: الخيط الرابط — التعليم كأداة لإنتاج المواطن غير المفكر
كل ما سبق ليس أحداثًا منفصلة، بل منظومة واحدة:
التلقين يُنتج عقلًا خاضعًا
💥 خصخصة التعليم تُنتج طبقية معرفية
ضعف الإصلاح يُبقي الدولة بلا مشروع
وتسييس المناهج يُغلق باب التفكير النقدي
النتيجة النهائية واضحة:
مواطن يتعلم كيف ينجح في النظام، لا كيف يفهمه أو يغيّره.
⭕ الخاتمة: التعليم ساحة معركة على شكل الدولة نفسها
المعركة ليست بين مناهج قديمة وجديدة، بل بين:
دولة تريد مواطنًا مطيعًا
ومجتمع يحتاج مواطنًا مفكرًا
وما لم يُستعاد التعليم كمشروع وطني مستقل عن الصراع السياسي والاقتصادي الضيق، سيبقى العقل العام يُعاد تشكيله داخل حدود ضيقة لا تسمح بالأسئلة الكبرى.



