مقالات وآراء

حين تُسرق الإغاثة: معركة إنقاذ المساعدات من أيدي الفساد إلى أفواه الجوعى

قلم: حسن عبد الرضي

في لحظةٍ يختلط فيها الألم بالغضب، ويكاد الجوع أن يتحوّل إلى لغةٍ يومية في حياة ملايين السودانيين، تبرز قضية إيصال المساعدات الإنسانية لا كملفٍ إغاثي فحسب، بل كمعركة أخلاقية فاصلة بين من يسعى لإنقاذ الإنسان، ومن يتاجر بمأساته.
ما كشفه قياديو “صمود” في برلين ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو دليل دامغ على انحرافٍ خطير في مسار العمل الإنساني داخل السودان. إن عرض مواد الإغاثة – التي يُفترض أن تكون طوق نجاة – على رفوف الدكاكين في الأحياء الطرفية، ليس فسادًا إداريًا فحسب، بل جريمة مكتملة الأركان في حق شعبٍ يئن تحت وطأة الحرب والجوع. وهنا، لا يكفي الغضب، ولا تجدي بيانات الشجب. المطلوب هو التفكير العملي الجريء، وهو ما بدأ يتشكّل بالفعل في مقترحات بعض الناشطين الواعين بخطورة المرحلة وتعقيدها. وقد اطّلعتُ على منشورٍ في “واتساب” يقدّم فكرة عملية أعجبتني، فها أنا أكتب دعمًا لها.
إن فكرة تجاوز القنوات الرسمية التي ثبت تواطؤها أو عجزها، والسعي إلى تشكيل آليات بديلة مستقلة، ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة حتمية. فالحكومة التي تُتَّهم – بالأدلة – بالتلاعب بالمساعدات، لا يمكن أن تكون جزءًا من الحل، بل هي في صميم المشكلة.
ومن بين أكثر الأفكار واقعية وجرأة، تبرز مقترحات الاعتماد على السودانيين المقيمين في أوروبا، خاصة أولئك المنخرطين في الحراك المناهض للحرب. فهؤلاء لا يتمتعون فقط بهامش أوسع من الحرية، بل يمتلكون كذلك ميزة الاستقلال عن أدوات القمع والابتزاز التي تُمارس داخل السودان. إنهم خارج قبضة التهديد، وأقرب إلى روح المبادرة، وأقدر على العمل وفق معايير الشفافية والمساءلة.
هذه الفكرة، في جوهرها، تعيد تعريف “الفاعل الإنساني”. فلم يعد الأمر مقتصرًا على المنظمات التقليدية أو الوسطاء المحليين، بل أصبح بالإمكان بناء شبكات عابرة للحدود، يقودها سودانيون يحملون همّ بلدهم، لكنهم يتحركون من فضاءات أكثر أمانًا وقدرة على الفعل.
وفي المقابل، فإن تجربة الاعتماد على الناشطين داخل السودان – رغم صدق نواياهم وشجاعتهم – كشفت عن كلفة باهظة. فالاعتقالات، والتضييق، والاختفاء القسري… كلها أدوات استخدمها النظام لإفراغ المبادرات من محتواها، وتحويل العمل الإنساني إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر الشخصية.
من هنا، فإن الابتكار لم يعد خيارًا، بل شرطًا للبقاء. وكما أشار كاتب المنشور، فإن الأنظمة القمعية – وعلى رأسها حكومة “بورتوكيزان” ووزير ماليتها “فكي جبريل”– بارعة في التعامل مع الأنماط المتوقعة، لكنها ترتبك أمام المبادرات غير التقليدية. وهذا بالضبط ما ينبغي البناء عليه: كسر التوقّع، وتغيير قواعد اللعبة.
إن تشكيل فرق إغاثة من الشتات، تعمل بتنسيق مباشر مع المجتمعات المحلية، وتستخدم أدوات حديثة في التتبّع والرقابة (كالتوثيق الرقمي وسلاسل الإمداد الشفافة)، يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل حقيقية، ليس فقط في ضمان وصول المساعدات، بل في استعادة الثقة المنهارة بين المواطن وأي جهدٍ يُرفع باسمه.
المعركة اليوم ليست فقط ضد الجوع، بل ضد تحويل الجوع إلى سلعة؛ ضد أولئك الذين يرون في كيس الدقيق فرصة للربح لا وسيلة للحياة. وهي معركة لا تُحسم بالشعارات، بل بالأفكار العملية والشجاعة في تنفيذها.
إن ما طرحه هؤلاء الناشطون ليس مجرد رأي، بل خريطة طريق أولية نحو استعادة المعنى الحقيقي للعمل الإنساني: أن يصل إلى من يحتاجه… كاملًا، كريمًا، بلا وسطاء فاسدين ولا أيدٍ ملطخة بالاستغلال.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الخيبات، تبقى مثل هذه الأفكار بمثابة نافذة أمل… لكنها، ككل أمل، تحتاج إلى من يحرسها بالفعل لا بالكلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..