مقالات وآراء

برلين بين حسن النوايا وسوادها

عوض الكرىم فضل المولى جادالله الشيخ

يمثل انعقاد مؤتمر برلين حول السودان نقطةً فارقة في مسار العمل المدني والسياسي، ليس فقط من حيث توقيته، بل من حيث ما كشفه من تعقيدات بنيوية في تفكير النخب السودانية، التي ما تزال تتأرجح بين المصالح القومية، والانحيازات الحزبية، والأيديولوجيات النفعية الضيقة.

فمنذ الإعلان عن المؤتمر، انقسمت الساحة الإعلامية والسياسية بين مؤيد يرى فيه فرصة لإنقاذ ما تبقى من الوطن، ومعارض يشكك في جدواه أو نواياه خوفاً على مكتسبات من الحرب ، وآخرين اختاروا موقع المتفرج.
غير أن منطق العصر لم يعد يقيس المبادرات بالنوايا، بل بقدرتها على تحقيق أهداف ملموسة، وهو ما يضع السؤال الجوهري: ماذا حقق المؤتمر؟ ومن المستفيد منه؟ ومن المتضرر؟

لقد شكّل اجتماع أكثر من خمسين دولة ومنظمة دولية وإقليمية مع أصحاب المصالح القومية الوطنية في قاعة واحدة لمناقشة القضية السودانية مؤشراً واضحاً على عودة الاهتمام الدولي بالملف السوداني، بعد أن كاد يتوارى خلف أزمات عالمية أخرى. وهذا في حد ذاته مكسب سياسي ومعنوي، إذ أعاد السودان إلى واجهة الإعلام الدولي، ولفت الأنظار مجدداً إلى مأساة شعبه، بعيداً عن الاستقطاب العسكري الضيق وصراع المصالح الدولية الإقليمية. ومصالح أطراف النزاع.

كما أسهم المؤتمر في تسليط الضوء على الكارثة الإنسانية المتفاقمة، حيث ناقش حجم الأضرار والفجوة الإنسانية و الاحتياجات التي قُدِّرت بنحو ثلاثة مليارات دولار، وتمكّن من التعهد بتقديم أكثر من مليار ونصف المليار دولار في جلسته. ورغم أن هذا الرقم لا يغطي كامل الفجوة، إلا أنه يمثل خطوة مهمة في ظل الأزمات الدولية المتشابكة التي تضغط على موارد الدول المانحة.

وعلى المستوى السياسي، أعاد المؤتمر شيئاً من الزخم للقوى المدنية، التي عانت من التشتت والانقسام. فقد وفر منصة للتوافق – ولو جزئياً – حول قضايا جوهرية مثل وقف الحرب، والدعوة إلى هدنة إنسانية، والدفع نحو العدالة الانتقالية، واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، إلى جانب تنسيق الجهود الإنسانية.

غير أن هذه المكاسب، على محدوديتها، تصطدم بواقع داخلي معقد، حيث لا ترى قوى التمكين ومراكز النفوذ في وقف الحرب مصلحة لها، كما لا يخدم السلام أجندة تجار الأزمات الذين يزدهر نفوذهم في ظل الفوضى. كذلك فإن استتباب الأمن ووقف الانتهاكات يقوّض شبكات الفساد، بينما تشكّل الديمقراطية تهديداً مباشراً لأحلام الهيمنة وتقاسم السلطة والثروة خارج الأطر المشروعة.

أما العدالة الانتقالية، فهي تمثل التحدي الأكبر، إذ تضع كثيراً من الفاعلين أمام احتمالات المساءلة والمحاسبة على الانتهاكات المرتكبة، وهو ما يفسر حجم المقاومة الضمنية أو العلنية لأي مسار جاد نحو السلام. وفي هذا السياق، تصبح الدولة المدنية خصماً مباشراً لمشاريع الهيمنة الأيديولوجية، التي تقوم على الإقصاء والتمكين لا على التعدد والتوافق.

وهكذا، فإن مؤتمر برلين يقف بين حدّين: حسن نوايا دولي وداخلي يسعى – ولو جزئياً – إلى وقف النزيف، وواقع داخلي مثقل بسواد المصالح المتشابكة التي تعيق أي تحول حقيقي. وبين هذا وذاك، يظل الرهان معقوداً على وعي السودانيين وقدرتهم على تحويل هذا الزخم الدولي إلى فرصة فعلية لبناء مشروع وطني جامع، اجعلنا مسخرة ومحل استخفاف فكري (جو يساعده في حفر قبر ابيه دسة المحافير)
يجب علينا إعادة طرائق التفكير في حل الأزمة السودانية من جديد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..