مقالات وآراء

ود مدني… حين ينهض الضمير ويُكسَر صمت الدم

حسن عبد الرضي

ليس كل بيانٍ يُقرأ… بعض البيانات تُطلَق كالرصاص، تصيب الهدف مباشرة، وتترك في الوعي ندبة لا تزول. بيان لجان مقاومة ود مدني ليس مجرد نصٍ سياسي، بل هو لحظة صدقٍ نادرة في زمنٍ امتلأ بالمساومات، وصرخة ضميرٍ جاءت من مدينةٍ تعرف جيداً معنى أن تكون الثورة خبزاً يومياً لا شعاراً موسميّاً.
ذلك البيان لم يكتفِ بوصف الجريمة، بل سمّاها باسمها، ورفع الغطاء عن مسرحٍ قبيح تُدار فيه البلاد كأنها صفقة، لا وطن. حكومة بورتسودان – كما عرّاها البيان – لم تعد تكتفي بالتقاعس عن حماية المواطنين، بل انتقلت إلى مرحلةٍ أكثر فجاجة: استقبال القتلة، وتبييض جرائمهم، وتقديمهم في هيئة “عائدين إلى حضن الوطن”، وكأن الوطن صار مغسلةً للدماء.
أي وطنٍ هذا الذي يُستقبل فيه من حاصر المدن وجوّعها؟ وأي دولةٍ تلك التي تخلّت عن أبنائها في لحظة الخطر، ثم فتحت أبوابها لجلّاديهم؟ إن الجريمة هنا ليست مزدوجة فحسب، بل مركّبة: خيانةٌ في الميدان حين تُترك المدن لتسقط، وخيانةٌ في السياسة حين يُعاد تدوير القتلة داخل مؤسسات الدولة. هكذا ببساطة… يُقتل الشهيد مرتين: مرةً حين يُخذل، ومرةً حين يُهان دمه.
بيان لجان مقاومة ود مدني لم يساوم على اللغة، ولم يلوّن الحقيقة، بل وضع إصبعه على الجرح مباشرة: هذه ليست أخطاءً عابرة، بل نهجٌ كامل… نهجُ سلطةٍ ترى في العدالة عبئاً، وفي الإفلات من العقاب شرطاً للاستمرار.
وحين يتحدث البيان عن “سقوط الحق العام”، فإنه لا يناقش تفصيلاً قانونياً، بل يفضح واحدة من أخطر الحيل السياسية في تاريخ السودان الحديث: تحويل الجرائم الكبرى إلى قضايا فردية، وإلقاء عبء العدالة على كاهل الضحايا، في بلدٍ لا يملك فيه الضحية حتى حق النجاة. ولا حتى حق التأوه، كما سمعت العبارة من شيخ المناضلين الراحل المقيم على محمود حسنين. أي عبثٍ هذا؟
أن يُطلب من المنكوب أن يُقاضي قاتله، بينما القاتل نفسه يجلس تحت حماية الدولة! لكن ما يجعل هذا البيان استثنائياً حقاً، ليس فقط قوته في الإدانة، بل وضوحه في الاتجاه. فهو لا يكتفي بالغضب، بل يذكّر الجميع بأن الثورة لم تكن حدثاً عابراً، ولم تبدأ من فراغ.
ود مدني… هذه المدينة التي أنجبت قاماتٍ فكرية ونضالية لم تخن تاريخها، ولم تصمت. وكأنها تقول اليوم، بصوتٍ لا يقبل الالتباس: “الثورة التي خرجت من بين أحيائنا، لن تُدفن في مكاتبكم.”
من يظن أن بإمكانه الهروب إلى بورتسودان، أو الاحتماء بالرتب العسكرية، أو إعادة تدوير القتلة في مؤسسات الدولة… لم يفهم بعد معنى هذه الثورة. هذه ليست ثورة جغرافيا، بل ثورة وعي. وحين يستيقظ الوعي، لا تنفع معه الحيل.
لقد حاولوا طمس الجرائم بالبيانات الرسمية، ففضحتهم البيانات الشعبية. وحاولوا تزيين القتلة بالأوسمة، فعرّتهم كلمات الشباب.
وحاولوا شراء الوقت، لكن الزمن نفسه صار شاهداً ضدهم.
إن بيان لجان مقاومة ود مدني ليس مجرد موقفٍ سياسي، بل إعلان مرحلة جديدة: مرحلة يُعاد فيها تعريف الخيانة، وتُسحب فيها الشرعية من كل من يساوم على الدم. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الآن ليس: ماذا قالت ود مدني؟
بل: ماذا بعد أن قالت؟ لأن الكلمة حين تُقال بهذا الوضوح، لا تعود مجرد رأي… بل تصبح التزاماً.
التزاماً بأن الدم لا يُغسَل، وأن القاتل لا يُكافَأ، وأن الثورة – مهما طال ليلها – لا تموت. فإلى أين ستهربون… إذا كانت ود مدني نفسها قد قررت أن تتكلم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..