مقالات وآراء

هل السودانيون “أصحاب ذاكرة سمكية” أم ضحايا “التكيف القسري”؟

محمد صالح محمد
تطرح التحولات الدراماتيكية في المشهد السوداني تساؤلاً يؤرق النخب والعامة على حد سواء لماذا يبدو العقل الجمعي السوداني وكأنه يمحو سجلات الأمس القريب ليبدأ من “نقطة الصفر” مع كل منعطف سياسي؟
هذا التذبذب في المواقف والتقلب بين النقيض ونقيضه تجاه الفاعلين السياسيين والعسكريين دفع الكثيرين لوسم الشخصية السودانية بـ “ذاكرة السمكة”.
لكن هل هذا التشخيص دقيق من منظور التحليل السياسي أم أننا بصدد ظاهرة أكثر تعقيداً تتعلق بآليات البقاء والانهيار المؤسسي؟
أولاً: سيكولوجية الذاكرة السياسية في السودان
إن القول بضعف الذاكرة لا يعني خللاً بيولوجياً بل هو “نسيان وظيفي” تفرضه حالة الصدمة المستمرة (Trauma-induced forgetting).
منذ استقلال السودان والبلاد تعيش في حلقة مفرغة من الانتقالات المجهضة مما خلق نوعاً من الإحباط الذي يدفع الفرد لتصديق “المنقذ القادم” حتى لو كان هو نفسه “جلاد الأمس”.
تكرار الأنماط: نحن نعيد إنتاج الأزمات ذاتها بأسماء مختلفة.
التحالفات التي تُبنى اليوم على أنقاض عداوات الأمس ليست دليلاً على التسامح بقدر ما هي دليل على غياب المبدئية البرامجية لصالح التكتيك الآني.
تأثير الحشد والعاطفة: تسيطر العاطفة السياسية على العقل التحليلي في السودان.
الهتاف الذي يرتفع لزعيم ما اليوم قد يتحول إلى لعنات في الغد دون مراجعة نقدية للأسباب التي أدت للاحتفاء به أول مرة.
ثانياً: لماذا نتقلب في مواقفنا؟
التقلب في المواقف السودانية ليس عشوائياً بل هو نتيجة لعدة عوامل بنيوية وتاريخية:
هشاشة الهوية السياسية: تفتقر معظم الكتل السياسية (مدنية وعسكرية) إلى أيديولوجيا راسخة أو برامج اقتصادية واجتماعية واضحة.
عندما تغيب المبادئ، يصبح “التحول” مجرد وسيلة للبقاء في السلطة أو القرب منها.
ثقافة “عفا الله عما سلف” تُعد هذه القاعدة الاجتماعية واحدة من أكبر معوقات التراكم السياسي.
إنها تؤدي إلى الإفلات من العقاب (Impunity) مما يجعل السياسي يدرك أن أخطاءه مهما عظمت ستُنسى في غمرة “المصالحات الوطنية” الهشة.
تزييف الوعي عبر الآلة الإعلامية: في عصر “الذباب الإلكتروني” والاستقطاب الحاد يتم إعادة تدوير الشخصيات السياسية وتلميعها بسرعة مذهلة مما يربك ذاكرة المواطن العادي الذي يجد نفسه محاصراً بروايات متناقضة تجعل من الحقائق مجرد وجهات نظر.
ثالثاً: مآلات الذاكرة المثقوبة على الدولة
إن أخطر ما يواجهنا ليس التقلب في المواقف بحد ذاته بل فقدان القدرة على التراكم.
الدولة التي تنسى أخطاءها محكوم عليها بتكرارها.
“إن المجتمع الذي لا يملك ذاكرة سياسية حية يشبه السفينة التي لا تملك بوصلة؛ تتحكم فيها الرياح وتتقاذفها الأمواج دون أن تصل إلى شاطئ الاستقرار.”
التقلب المستمر يؤدي إلى:
انعدام الثقة (Social Mistrust): ليس فقط بين الشعب والقيادة بل بين المكونات المجتمعية نفسها.
التطبيع مع الأزمات: تصبح الحرب، الانقلاب، والانهيار الاقتصادي أحداثاً عادية لا تستدعي وقفة للمحاسبة التاريخية.
رابعاً: هل من مخرج؟
الخروج من فخ “ذاكرة السمكة” يتطلب معركة وعي طويلة الأمد ترتكز على:
التوثيق والتدوين: تحويل التاريخ المعاصر إلى مادة نقدية تُدرس وتُناقش بعيداً عن القداسة أو التخوين.
إعلاء شأن المؤسسات لا الأفراد: عندما نربط مواقفنا بالمؤسسات والبرامج بدلاً من “الكاريزما” الفردية يقل هامش التقلب.
تفعيل العدالة الانتقالية: لا يمكن للذاكرة أن تستقيم دون إنصاف الضحايا ومواجهة الجناة فالعدالة هي “المثبت” الوحيد للحقائق في ذاكرة الشعوب.
نحن لسنا أصحاب ذاكرة سمكية بالفطرة بل نحن شعب جُهجِهت بوصلته بفعل القمع الطويل والفقر الممنهج وتغييب التعليم النوعي.
إن استعادة الذاكرة السياسية السودانية هي الخطوة الأولى نحو بناء “دولة المواطنة” حيث لا يُلدغ المؤمن (أو المواطن) من جحر “الوعود الزائفة” مرتين أو عشرات المرات.
إليك خاتمة مقترحة للمقال، تحافظ على ذات النفس التحليلي وتضع القارئ أمام مسؤولياته التاريخية:
بين مطرقة النسيان وسندان التغيير
في نهاية المطاف إن توصيف الحالة السودانية بـ “ذاكرة السمكة” ليس قدراً بيولوجياً لا فكاك منه بل هو عارض لمرض أعمق يتمثل في غياب “المشروع الوطني الجامع” الذي يحرس المبادئ من تقلبات الأمزجة والظروف.
إن استسهال التنازل عن المواقف والقفز فوق جراح الأمس من أجل تسويات هشة هو ما يجعلنا نكرر ذات الخيبات بأسماء مختلفة.
إن استعادة الذاكرة الجمعية السودانية تبدأ برفض “الاستهبال السياسي” الذي يمارسه الفاعلون وبالإصرار على أن التاريخ ليس مجرد حكايات تُروى بل هو مختبر للدروس المستفادة.
لن نخرج من دائرة التقلب المفرغة إلا إذا جعلنا من “المحاسبة” و”التراكم” ثقافة يومية بحيث لا يُمحى سجل الإخفاق بكلمة طيبة أو مصافحة عابرة.
إن الوطن الذي ينسى كيف وصَل إلى حافة الهاوية سيجد نفسه حتماً يسقط فيها مرة أخرى؛
لذا فإن الذاكرة اليقظة هي اليوم أعظم فعل مقاومة يمكن أن يقدمه السودانيون لضمان مستقبل لا يشبه ماضيهم المأزوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..